فجوابه : أنّ مجرّد المشابهة لا يكون قدحا في الحديث ، ولا يوجب ضعفه إذا صحّ سنده ، ولم يكن في متنه ما يدلّ على قدم القرآن وأزليّته .
هذا مع أنّه لا مشابهة بين ما جاء به الحديث وبين مذهب من سمّاهم المشبّهة ، ولعلّهم الحنابلة والكراميّة الّذين قالوا بقدم القرآن وأزليّته ، على اختلافهم في التّعبير عنه بما مرّ بيانه في بحث التّكلّم من صفات الحقّ جلّ وعلا .
وليس ما جاء به الحديث بأعجب ممّا جاءت به أحاديث أخرى أيضا من ثبوت القرآن في لوح محفوظ قبل نزوله منه إلى سماء الدّنيا في ليلة القدر ، ولا أقرب منه إلى ما أوردوه على القول بقدمه وأزليّته من لزوم الأمر بلا مأمور ، والنّهي بلا منهيّ ، والنّداء بلا سامع ، والإخبار بلا مخبر به .
والجواب ما ذكرنا ، فليس اعتقادنا بحدوث القرآن لأجل هذا الّذي أوردوه على القول بقدمه ، بل لأجل القياس الّذي تقدّم في بحث التّكلّم من صفاته سبحانه . وهو أنّ كلامه مركّب من الحروف المسموعة ، وكلّما هو كذلك فهو حادث ، فكلامه حادث . وقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه » ، وقد ثبت بحكم الضّرورة أنّ القرآن كلام اللّه .
وأمّا قوله : يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملة في ليلة القدر أنّه نزل جملة منه في ليلة القدر ، ثمّ تلاه ما نزل منه إلى وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فجوابه من وجهين ؛
الأوّل : أنّه مبنيّ على أن يكون المراد من نزوله كذلك نزوله على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وهو ممنوع ، والحديث على خلافه ، وقد مرّ بيانه .
الثّاني : أنّه مبنيّ على كون ابتداء نزول القرآن على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في ليلة القدر ، وهو ممنوع أيضا ، وتقدّم تفصيله .
وأمّا قوله : فأمّا أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر ، فهو بعيد ممّا يقتضيه ظاهر القرآن والمتواتر من الأخبار وإجماع العلماء .
فجوابه أن يقال : أمّا القرآن فظاهر قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 1 » ، وقوله :
هامش
( 1 ) - القدر / 1 .