إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
« 1 » ، إنّه نزل فيها بأسره وجميعه ، وقد بيّنّا وجه الظّهور فيما تقدّم .
وأمّا الأخبار فالمتواتر منها في هذا الباب غير موجود ، والموجود منها غير متواتر ، وهي مع ذلك صريحة في نزوله في ليلة القدر بأسره وجميعه ، فإنّ فيها نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر ، ووضع في بيت العزّة أو في بيت المعمور ، أو إلى سماء الدّنيا ، على اختلافها في التّعبير ، ثمّ كان جبرائيل ينزل به نجوما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
وأمّا الإجماع فلا معنى لبعد المسألة عنه ، إلّا أنّه انعقد على خلافها . ودعوى انعقاد الإجماع هنا على الخلاف ، أي على عدم نزول القرآن بأسره وجميعه في ليلة القدر ، مع تصريح من تقدّمت أسماؤهم من المفسّرين وغيرهم بنزوله جملة واحدة في ليلة القدر ، غير مسموعة ، كدعوى الإجماع على الوفاق المحكيّ في « الإتقان » عن ابن كثير أنّه قال :
حكي الإجماع على أنّه نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا . [ ثمّ ذكر قول الصّدوق كما تقدّم عنه فقال : ]
أقول : لم يثبت بدليل أنّ اللّه تعالى أعطى نبيّه العلم بالقرآن جملة ، ولو كان أعطاه العلم به كذلك لكان القرآن في صدره ، فما معناه أنّه نزل في بيت المعمور خاصّة ، أو ما معناه أنّه نزل عليه بعد ذلك نجوما حسب الحاجة إليه ، وقد كان صلّى اللّه عليه وآله يتوقّع نزول الوحي إليه حول كلّ حادثة ، وجوابا عمّا كان يسأل عنه . وقد مضى ذكر حديث سؤالهم إيّاه عن فتية ذهبوا في الدّهر الأوّل ، ورجل طوّاف بلغ شرق الأرض وغربها ، وعن الرّوح ، فقال :
أخبركم بما سألتم عنه غدا ، فمكث خمسة عشر ليلة لا يحدث اللّه إليه في ذلك وحيا ، حتّى أرجف أهل مكّة وتكلّموا فيه ، ثمّ جاء جبرائيل عن اللّه بسورة الكهف ، وأنزل عليه
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
« 2 » .
وأمّا النّهي عن التّعجيل بالقرآن ففيه وجهان ؛ أحدهما : أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يتسرّع إلى تأويل ما ينزل عليه من القرآن فنهاه اللّه تعالى عنه ، والمعنى على هذا لا تعجل بتأويل
هامش
( 1 ) - الدّخان / 1 .
( 2 ) - الإسراء / 85 .