تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
بالزّمان واختصاصه بجزء منه ، بل يعلمها علما متعاليا عن وصف الماضي والمستقبل والحال . فإنّ هذه الأوصاف إنّما يعرض للزّمان إذا قيس إلى زمانيّ يكون في أمده ، ويختصّ بجزء منه دون ما لا يدخل تحت سلسلته ، كعلم اللّه الأزليّ وذاته الأزليّة الأحديّة ؛ وإذ قد ثبت أنّ الأشياء والحوادث الجزئيّة المتأخّرة حتّى إلى فناء الدّنيا وقيام السّاعة حاضرة لديه معلومة له سبحانه ، لا استحالة في أن يخبر عنها بلفظ ماض ، ويثبته في لوح محفوظ وكتاب مكنون ، ثمّ ينزّله منه إلى سماء الدّنيا جملة لحكمة اقتضته ، ثمّ ينزله منه على رسوله نجوما عند الحاجة إليه .
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
« 1 » . قال ابن عبّاس : أقسم بنزول القرآن ، فإنّه نزل متفرّقا قطعا نجوما . وقال في تفسير
كِتابٍ مَكْنُونٍ :
أي مستور عند اللّه عن خلقه ، وهو اللّوح المحفوظ ، أثبت اللّه فيه القرآن « 2 » . هذا ، ولكنّ الجوابين لا يفيان بدفع الشّبهة عن خطابات القرآن التّكليفيّة ، بناء على القول بنزوله جملة في ليلة القدر إلى سماء الدّنيا ، أو على القول بثبوته في لوح محفوظ قبل نزوله بكلّ معناه ، وترد هذه الشّبهة حينئذ على الخطابات القرآنيّة تارة ، من ناحية عدم صحّة خطاب الغائب والمعدوم حقيقة ، وأخرى من ناحية عدم صحّة تكليفهما عقلا بالبعث والزّجر . والجواب : أنّ الخطابات القرآنيّة قبل وصولها أينما فرضناها ، أكانت في لوح محفوظ ، أو في بيت المعمور من سماء الدّنيا لا بدّ أن تكون كلّها خطابات إنشائيّة محضة ، وذلك لأنّه لمّا لم يكن هناك مخاطب موجود ، بحيث صحّ أن يتوجّه إليه الخطاب حقيقة ، بأن يكون يسمعه ويلتفت إليه ، وجب أن تكون الخطابات إنشائيّة إيقاعيّة ، وإن قلنا : بأنّ
هامش
( 1 ) - الواقعة / 75 - 78 . ( 2 ) - مجمع البيان 5 : 226 .