كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 1 » لا التّمسّك بقوله :
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
« 2 » .
وقوله :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
« 3 » ، بأنّ هذا خبر عن ماض ، فلا يجوز أن يتقدّم مخبره ، أو بأنّ الظّاهر قصّة كانت بالمدينة ، فكيف ينزّل اللّه الوحي بها بمكّة قبل الهجرة ، بأنّها كانت ولم تكن ، فإنّ الإخبار عن شيء بأنّها كانت ولم تكن لا مانع منه أصلا حتّى حين نزول الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وأمثاله في القرآن كثيرة ، بل فيه الإخبار بلفظ ماض عن أشياء لم تقع إلى الآن ، ولا تقع إلّا في يوم القيامة ، وهذا أصعب من قوله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها ،
الّذي وقع بعد برهة من الزّمان ، على القول بنزوله في ليلة القدر إلى سماء الدّنيا ، أو على القول بكونه في لوح محفوظ قبل نزوله بكلّ معناه ، على ما جاءت به الأحاديث ، وأشار إليه الكتاب في قوله :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 4 » . والجواب عن الجميع من وجهين ؛
الأوّل : ما تقدّم عن شيخ الطّائفة قدّس سرّه بقوله : إذا كان وقت كذا نزل
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ
« 5 » ، وإذا كان يوم القيامة
نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ
« 6 » .
الثّاني : أنّ علم اللّه الأزليّ بالأشياء ليس زمنيّا كعلم أحدنا ببعض الحوادث المختصّ بأحد الأزمنة ، بل هو فوق الزّمان ومحيط به ، وغير محتاج في وجوده إليه ، وغير مختصّ بجزء منه ، فلا يتّصف الزّمان بالنّسبة إلى علمه بالماضي والمستقبل والحال ، بل نسبته إليه نسبة واحدة ، كما أنّ ذاته الأحديّة لمّا لم يكن مكانيّا كان نسبتها إلى جميع الأمكنة كذلك ، فلا يتّصف المكان بالنّسبة إلى ذاته بالقرب والبعد ، فهو تعالى عالم أزلا بجميع الموجودات والحوادث وخصوصيّاتها وأحكامها وأزمنتها وأمكنتها كلّ في وقته ، لا من حيث تقيّده
هامش
( 1 ) - الفرقان / 31 - 32 .
( 2 ) - الزّخرف / 20 .
( 3 ) - المجادلة / 1 .
( 4 ) - البروج / 21 .
( 5 ) - التّوبة / 25 .
( 6 ) - الأعراف / 44 .