هذا التّحديد ، أي نزول القرآن في ليلة واحدة - هي ليلة القدر - من شهر رمضان ؛
أوّلا : منافاته - ظاهرا - مع ما أسلفناه من اتّفاق الإماميّة وعدد من أحاديث غيرهم ، على أنّ البعثة كانت في رجب ، ولا شكّ أنّ البعثة كانت مقرونة بنزول آي من القرآن ، خمس آيات من أوّل سورة العلق . فكيف يتمّ ذلك مع القول بنزول القرآن - كلّه أو بدء نزوله - في شهر رمضان في ليلة القدر ؟
ثانيا : ما ذا يكون المقصود من نزول القرآن في ليلة واحدة هي ليلة القدر ؟ هل نزل القرآن كلّه جملة واحدة تلك اللّيلة ؟ مع العلم أنّ القرآن نزل نجوما لفترة عشرين أو ثلاث وعشرين عاما ، حسب المناسبات والظّروف المختلفة ، ودعيت باسم « أسباب النّزول » فكيف ذلك ؟
ثالثا : ما هي أوّل آية أو سورة نزلت من القرآن ؟ فإن كانت هي سورة العلق أو آي منها ، فلم سمّيت سورة الحمد بفاتحة الكتاب ؟ إذ ليس المعنى أنّها كتبت في بدء المصحف ؛ لأنّ هذا التّرتيب شيء حصل بعد وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، أو لا أقلّ في عهد متأخّر من حياته فرضا ، في حين أنّها كانت تسمّى بفاتحة الكتاب منذ بداية نزولها « لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب » « 1 » ، حديث مأثور عن لسان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله .
وللإجابة على هذه الأسئلة الثّلاثة - بصورة إجماليّة - نقول : إنّ بدء البعثة يختلف عن بدء نزول القرآن ككتاب سماويّ لأنّه صلّى اللّه عليه وآله نبّئ ولم يؤمر بالتّبليغ العامّ إلّا بعد ثلاث سنوات ، كان خلالها يدعو في اختفاء حتّى نزلت الآية
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
« 2 » . ومن هذا الحين جعل القرآن ينزل تباعا بسمة كونه كتابا أنزل من السّماء ، وكان يسجّل على العسب واللّخاف ، يكتبه من كان يعرف الكتابة من المؤمنين ، وهم عدد قليل خلال عشرين عاما .
وقد كان بدء نزول القرآن - بعد تلك الفترة - في ليلة القدر من شهر رمضان . وبهذا الاعتبار صحّ التّعبير بأنّ القرآن نزل في ليلة القدر ، وإن كان نزوله تباعا استغرق عشرين
هامش
( 1 ) - صحيح مسلم 2 : 9 ؛ منتخب كنز العمّال بهامش المسند 3 : 180 .
( 2 ) - سورة الحجر / 94 .