وإذا كان القرآن قد نزل منجّما ؛ ليساير أولويّة ما يستجدّ من الوقائع ، فإنّ نصوصه وأحكامه التّشريعيّة تبقى عامّة شاملة لا تختصّ بما نزلت لمعالجته من الوقائع ، بل هي حسب القاعدة ( العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب ) .
4 - التّدرّج التّشريعيّ : إنّ تنزيل القرآن تدريجيّا كان تحاشيا لهزّات اجتماعيّة عنيفة ، وردّات انتكاسيّة حادّة ، كان من المحتمل أن تحدث ، لولا أن جاء القرآن تبعا للوقائع والأحداث ، ووفق ما تستوعبه طبيعة المجتمع .
فالرّسالة الإسلاميّة بعامّة ، والقرآن بخاصّة ، مدّ النّاس رويدا رويدا بما يوافق تطويرهم من التّشريعات . ولأنّ ما جاء به القرآن الكريم يشمل النّواحي الحياتيّة جميعها ، فلم يكن من الحكمة أن يوضع بين يدي النّاس تشريع يتناول عقائدهم وتعاملهم وأخلاقهم دفعة واحدة . ولو تمّ ذلك لما نفذ إلى القلوب ، ولبقي ما بقيت القوّة مهيمنة ، وسرعان ما يرتدّ « 1 » النّاس عمّا أكرهوا عليه ، في حين نجد أنّ العقيدة والالتزام بالإسلام استقرّ في قلوب المسلمين ، وبالرّغم من كلّ المحن والهزّات الّتي حدثت من لدن وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتّى يومنا الحاضر ، فإنّ الإسلام ملأ قلوب المسلمين ، فكأنّه خالط دماءهم واستقرّ في عروقهم .
ثالثا - حكم تخصّ النّاس :
1 - قوّة الإلزام والإقناع : إنّ نزول القرآن تنجيما جعل للحكم المنزل قوّة إلزاميّة واضحة ، باعتباره حكم اللّه المنزل في تلك الواقعة ، وفي ذلك الظّرف . ومنحه قوّة الاقتناع به ، والتّسليم له ، ولنزوله عند قيام الحدث ، أو مثول الواقعة .
فالمصاحبة الزّمنيّة بين الحكم الّذي تنزل به الآية ، والحدث أو الواقعة سبب متين للامتثال والتّطبيق . الأمر الّذي أحدث ترابطا وتلازما بين التّشريع والتّنفيذ . ولهذا كان المسلمون ، إذا سمعوا عشرا من الآيات يهرعون لتطبيقها ، ثمّ يعودون للاستزادة ، ولو
هامش
( 1 ) - لقد بالغ المستشرقون في عدد من ارتدّ في عهد أبي بكر ، طعنا في الإسلام . والأمر لم يقع كما ذكروا ، وإنّما ارتدّ أفراد في الجزيرة العربيّة ، وامتنع جماعة من مبايعة الخليفة ، وثارت قبائل وثنيّة لم تسلم من قبل ، حتّى سمع أحد الأسرى يقول :
« ما آمنت طرفة عين قطّ » وامتنع آخرون عن أداء مال الزّكاة ، فقال أبو بكر : « لو منعوني عقالا لقاتلتهم » فجرى قتالهم .