منه ، فليس معه أحد إلّا الصّفوة من أهله وعشيرته ، أمّا سائر أفراد عشيرته وجميع النّاس حوله ، فيقفون وجها لوجه أمام دعوته ، بكلّ ضراوة ، وبشراسة لا توصف .
ولا غرو أنّ مثل هذه المهمّة صعب جدّا ، بل هو فوق طاقة البشر . فكان لا بدّ من إمداد غيبيّ مستمرّ ، حتّى يكمل الدّين ، وتتمّ النّعمة ، ويسود الإسلام . وكان هذا الإمداد إسعافا ونجدة إلهيّة ، تربط جنان الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بآية تسلية أو بتأكيد النّصر له ، كلّما ادلهمّ الخطب ، واعصوصب الأمر .
ولطالما كان الملك جبريل ينزل إليه صلّى اللّه عليه وآله لتسليته
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
« 1 »
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
« 2 » ،
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ
« 3 »
وكان الوحي بأمر اللّه يدرأ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ما يكال له من الأكاذيب والتّهم ، وممّا نزل في هذا المجال قوله تعالى :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا . . .
« 4 »
3 - تيسير حفظ القرآن : إنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب ، وإنّ تدرّج تنزيل القرآن الكريم ، يسّر عليه حفظه ، بخلاف غيره من الأنبياء ، فإنّهم كانوا يقرءون ويكتبون ، فيمكنهم حفظ ما ينزل إليهم من الشّرائع والرّسالات .
فلقد كان موسى عليه السّلام كاتبا ، كما تذكر التّوراة الّتي بأيدينا ، فقد جاء فيها : ( وقال الرّبّ لموسى اكتب لنفسك هذه الكلمات ؛ لأنّني بحسب هذه الكلمات قطعت عهدا معك . . .
فكتب على اللّوحين كلمات العهد ، الكلمات العشر ) « 5 » .
هامش
( 1 ) - المزّمّل / 10 .
( 2 ) - الأحقاف / 35 .
( 3 ) - فاطر / 8 .
( 4 ) - الأنعام / 33 - 34 .
( 5 ) - التّوراة / سفر الخروج ، الإصحاح 34 / 27 ، 28 .