ووحيه ، وهو يتحدّى الثّقلين أن يأتوا بسورة من مثله طيلة هذه الأعوام .
2 - بيان الميزة العمليّة للقرآن : لم يكن القرآن كتابا نظريّا يطرح في المجتمع ليتفاعل معه . وعلى ضوء ما تتمخّض عنه التّجربة تجري عليه التّعديلات اللّازمة ، ويمارس فيه النّقض والإبرام . إنّ هذا هو شأن ما يتولّد عن العقل البشريّ ؛ حيث أنّ العقل محدود ، فما يتولّد عنه لا بدّ أن يكون محدودا . أمّا القرآن الكريم فإنّه
الر * كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 1 » .
لقد جاء القرآن ليطبّق ويهتدي به النّاس ، وينظّم شؤونهم المعاشيّة والمعاديّة ، وليقرّر الحقوق والواجبات للفرد والجماعة ، ويقيم الموازين القسط بين النّاس . لذا كان لزاما أن يأتي مطابقا لسنّة اللّه في تغيّر المجتمعات وتطوّرها التّدريجيّ . وهكذا تمّ تنزيل القرآن على هذه السّنّة ؛ يأتي إلى النّاس شيئا فشيئا ، فيتغيّر النّاس بموجبه شيئا فشيئا ، حتّى كمل تنزيل القرآن ، فكان المجتمع قد تغيّر بكامل جوانبه .
فالجانب العمليّ في القرآن ليس في المجال الموضوعيّ ، وما جاء به من تشريعات وأحكام وقواعد ونحو ذلك فحسب ، بل إنّه كان ( عمليّا ) في الطّريقة أو الأسلوب الّذي تمّ تنزيله ، ولولا هذا الأسلوب لما امتاز بسمته العمليّة الّذي ميّزته وأكسبته قوّة فعّالة إلى جانب قوّته الموضوعيّة الأصليّة في التّأثير .
3 - أولويّة الوحي : ممّا روعي في تنجيم القرآن أولويّة ما يكون مائلا من الوقائع ؛ إذ أنّ بسط الموضوع نظريّا ليس له من التّأثير - عقائديّا واجتماعيّا - كما لو نزل الحكم إثر واقعة من الوقائع ، أو عند احتياج النّاس إليه ، الأمر الّذي كان يكسب الأحكام صفة الالتزام المباشر من قبل النّاس . فإذا أنزلت آية في أحكام الأسرى ، وليس لدى المسلمين أسرى فإنّ الالتزام بها سيكون في المستقبل . ولكن حين تنزل إثر وقوع المشركين أسرى ، والمسلمين لا يعلمون أحكامهم هل يفدون أم يطلق سراحهم منّا ؟ أم . . . فإنّه ممّا لا شكّ فيه سيكون لنزول القرآن حسب الحاجة ، ومع الوقائع من الأثر التّطبيقيّ ما لا يكون له فيما لو نزل نظريّا دون وجود الحاجة .
هامش
( 1 ) - هود / 1 .