جملة ، لوجب تكليف النّاس به دفعة واحدة . ولكان الأمر على غير ما حدث . ولكنّ حكمة الباريّ عزّ وجلّ ولطفه ورحمته بالنّاس ، كلّ ذلك يسّر على النّاس الأمر وضمن للرّسالة ، النّجاح والانتشار السّريع .
المطلب الثّاني - حكم تدرّج تنزيل القرآن
على ضوء ما سبق بيانه ، نلمس أنّ التّدرّج في التّنزيل جاء منسجما مع طبائع المجتمع ، ومقرّرا أسلوب الإسلام في العمل الاجتماعيّ ، لا سيّما وأنّ القرآن يمثّل المصدر الأوّل للتّشريع الإسلاميّ .
ولم يكن هذا التّدرّج إلّا لحكم إلهيّة بالغة ، اقتضتها مشيئة اللّه تعالى ، وأحاط بها علمه الّذي أحاط بكلّ شيء ، ووضع لكلّ شيء قدرا ، ونحن وإن كنّا نجهل تلك الحكم بحقائقها ، غير أنّا حين نذكر بعضها فإنّما نذكر ما وقفت عليه عقولنا وأدركته أفكارنا ، ودون أن ندّعي أن ما ندركه هو الحقائق الشّرعيّة الثّابتة القطعيّة ، بل هي حكم راجحة ظاهرة .
ويمكن تصنيف هذه الحكم إلى ثلاثة أصناف : حكم تخصّ الرّسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله ، وأخرى تخصّ القرآن ، وثالثة تخصّ النّاس .
أوّلا - حكم تخصّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله
1 - إظهار عظمة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله : إنّ نزول القرآن جملة في شهر رمضان في ليلة القدر ، وتردّد الوحي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من لدن البعثة المباركة حتّى وفاته تفصح عن عظيم مكانته عند اللّه تعالى ، وسموّ منزلته ، وجليل رعاية اللّه تعالى له وعنايته به ؛ لأنّ الحبيب يكثر من ملاقاة محبّه ويزيد من تردّده عليه .
2 - تثبيت فؤاد الرّسول صلّى اللّه عليه وآله : إنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بشر ، وقد أنيطت به مهمّة تحويل مجرى حياة البشريّة تحويلا يستمرّ إلى يوم القيامة ، وإرساء قواعد حضارة تبقي صالحة كرّ الدّهور ، وحمل رسالة كتب اللّه تعالى على نفسه أن يظهرها ، وينصرها على الدّين كلّه .
ومع عظمة المسئوليّة الملقاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، نجده عديم المال فاقد الأنصار ، لا يملك من الوسائل التّغييريّة ، إلّا أصالة الرّسالة الّتي يحملها ، وقوّة الإيمان الّذي ينطلق