والجمعيّ ، وعلى كلّ صعيد من جهة ، وسرعتها الخارقة الّتي استطاعت خلالها أن تجسّد عقائدها وتشريعاتها ، وتمثّل قيمها ومثلها وتحقيق أهدافها وأغراضها ، من جهة أخرى ، قد تميّزت بميزات أفردتها عن سواها ، وسجّلت في هذا المجال نصرا لم تشهد مثيله الإنسانيّة .
ولم تكن ( الطّريقة ) الفريدة الّتي مارستها الرّسالة الإسلاميّة في تغيير المجتمع تشوبها شائبة من شوائب ( العفويّة ) أو ( الارتجال ) أو ( الاعتباط ) ، وإنّما كانت مقدّرة أحسن تقدير ، ومرسومة من قبل العليم الخبير ، ولهذا أثمرت للبشريّة أسمى حضارات كوكبنا الأرضيّ .
ولو تدبّرنا طريقة الدّعوة الإسلاميّة لوجدناها أخذت بالتّدرّج في ثلاثة مجالات :
الأوّل - التّدرّج في موضوع الرّسالة :
حيث بدأ الإسلام بتغيير عقائد النّاس وأفكارهم أوّلا ، ثمّ راح يضع لهم القوانين والتّعاليم الّتي تنظّم الفرد والمجتمع ثانيا ، وذلك لأنّ الإنسان يسهل عليه أن يغيّر فكرة سبق أن آمن بها ، وأن يقتنع بفكرة جديدة قام الدّليل على رجحانها ، في حين يعسر عليه ويشقّ أن يغيّر تعاملا سلوكيّا سار عليه واعتاده . وهذه القضيّة واضحة لمن تدبّر طبيعة الآيات الّتي نزلت في مكّة ، فإنّها عقائديّة بصورة عامّة ، أمّا الآيات الّتي نزلت بعد الهجرة فإنّها تشريعيّة عمليّة بصورة غالبة .
الثّاني - التّدرّج في نشر الرّسالة :
حيث باشر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله رسالته الكريمة بدعوته عشيرته الأقربين
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
« 1 » ، ثمّ اتّسعت الدّعوة فبلّغها للنّاس من حوله
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ . .
« 2 » ،
ثمّ راح يخاطب الملوك والرّؤساء في العالم ، « 3 » يعرض عليهم الإسلام باعتباره رسول اللّه
هامش
( 1 ) - الشّعراء / 214 .
( 2 ) - الحجر / 94 .
( 3 ) - راجع كتابه « التّفسير » ، فصل التّنظيم الدّوليّ ، رسائل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى الملوك والرّؤساء .