التّدرّج في تنزيل القرآن الكريم
تمّ تنزيل القرآن الكريم وفق منهج الإسلام في تغيير المجتمع البشريّ ، وطبقا لفطرة الإنسان . وإنّ هذا التّوافق بين تنزيل القرآن منجّما من جهة ، وبين طريقة الإسلام التّدرّجيّة في تغيير المجتمعات من جهة ثانية ، وبين سنّة اللّه تعالى في تغيير المجتمعات التّدريجيّ ، لهو آية من آيات وحدة مصدر الكون والحياة والإنسان ، كما في دلالة قطعيّة على أنّ مصدر القرآن هو خالق الإنسان ، وإلّا كيف حدث هذا التّوافق ، وتمّ نقل المجتمع البشريّ من حضيض ما آل إليه أمره إلى المستوى الإنسانيّ اللّائق الّذي شهده العالم في ظلّ سيادة الإسلام العظيم .
لقد كان لتدرّج تنزيل القرآن أثر بالغ في نشر الدّعوة الإسلاميّة ، وسنبحثه في المطلب الأوّل ، كما أنّ هذا التّدرّج في التّنزيل تمّ لحكم تخصّ القرآن والرّسول والمكلّفين من النّاس ، وسنبحثها في المطلب الثّاني .
المطلب الأوّل - أثر تدرّج تنزيل القرآن في نشر الدّعوة الإسلاميّة
إنّ التّغييرات الاجتماعيّة ليست عمليّة ( ميكانيكيّة ) بالنّسبة للفرد والمجتمع ، بل هي حركة ( ديناميكيّة ) يتغيّر بموجبها المحتوى الدّاخليّ للإنسان ، فتتغيّر بذلك المظاهر العامّة لحياة المجتمع . لذلك فإنّ أهمّ شرط من شروط نجاح أيّة فكرة تغييريّة ، أن تنفذ إلى فطرة الإنسان ، وأن تكون متساوية معها ، غير متنافرة مع متطلّباتها وحاجاتها الضّروريّة ، وإلّا فنصيبها الفشل العاجل أو الآجل .
ولقد عشنا ، وسمعنا كثيرا من ( الأطروحات ) التّغييريّة الّتي تطرح في السّاحة الإنسانيّة أملا في أن يؤمن بها الفرد ، وتسود الجماعة ، ولكن سرعان ما تغدو فقاعة صابون تنجاب بأوّل هزّة ، أو أن تبقى نظريّات مجرّدة تحتجنها بطون الكتب .
ومن الجليّ أنّ ( الأطروحة ) الإسلاميّة مدهشة للغاية ، من حيث ميزاتها الذّاتيّة وآثارها التّطبيقيّة . فإنّها في عمقها التّشريعيّ وشمولها لكلّ ألوان النّشاط الإنسانيّ الفرديّ