تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
ومنها يتبيّن أنّ القرآن أنزل في ليلة القدر ، وتمّ تنزيله طيلة البعثة النّبويّة ، وإنّ أوّل ما نزل من القرآن هو في شهر رجب ، فكيف يمكن التّوفيق بين ما يبدو من تعارض ؟ لا بدّ من التّفريق بين معنى الإنزال والتّنزيل ، والأصل في النّزول هو الورود على المحلّ من علوّ ، والعلوّ كما يكون مكانيّا ؛ فيقال : علا الطّائر ، إذا ارتفع عن مستوى الأرض ، فقد يكون شأنيّا ؛ فيقال : علا مستوى الطّلبة - مثلا - حين تزداد معارفهم ويرتفع مستوى معلوماتهم . فللإشارة إلى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تلقّى القرآن الكريم من جهة عليا هي اللّه تعالى ، جاء التّعبير عن وحيه بالنّزول . على أنّ هنا فرقا بين ( الإنزال ) و ( التّنزيل ) رغم دلالتيهما على الورود التّدريجيّ . وحين يتّضح معنى كلّ من الإنزال والتّنزيل فلا يبقى تعارض ، ويكون معنى قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وقوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
في رأي عدد من العلماء ، هو النّزول الدّفعيّ للقرآن الكريم ، أو الإجماليّ ، بمعنى أنّه نزل إلى سماء الدّنيا ليلة القدر جملة واحدة ، ثمّ نزل بعدها منجّما [ ثمّ ذكر قول الزّركشيّ والقسطلانيّ ، كما تقدّم عنهما ، فقال : ] ويبدو أنّ الهدف من إنزال القرآن دفعة واحدة للمرّة الأولى هو تنوير النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالمعارف الإلهيّة الكبرى ، وأسرار الكون العظيمة ، ليمتلئ قلبه صلّى اللّه عليه وآله بالعلوم القرآنيّة ، والحقائق الكونيّة الجليلة ؛ قال الزّنجانيّ : على أنّه يمكن أن نقول : بأنّ روح القرآن ، وهي أغراضه الكلّيّة الّتي يرمي إليها تجلّت لقلبه الشّريف في تلك اللّيلة ،
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
« 1 » فيكون معنى قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا
« 2 » وقوله سبحانه :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 3 » ،
هامش
( 1 ) - الشّعراء / 194 . ( 2 ) - الإنسان / 23 . ( 3 ) - الإسراء / 106 .