تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
وتدبّر قوله تعالى :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
،
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
، تجد في هذا النّغم المتقطّع مراحل زمنيّة ، يأخذ القرآن فيها طريقه من السّماء إلى الرّسول الكريم ، وإلى النّاس ، وأنّ هذه المراحل بعضها طويل ، وبعضها قصير ، وبعضها أقصر ، وهكذا ، كما يشهد لذلك تاريخ القرآن ، وكما تلمح هذا في مقاطع هاتين الفاصلتين . ولعلّ لعلم الموسيقى وعلمائها نظر في مقاطع هاتين الفاصلتين ، وقياس المسافات الزّمنيّة فيها ، ثمّ مراجعة ذلك على تاريخ النّزول القرآنيّ ! نقول هذا لا للبحث العلميّ وتقرير النّظريّات ، وإنّما لمطالعة وجه من وجوه الرّوعة والجلال في القرآن ، فإن استبان لنا أخذنا حظّ النّفس والرّوح من جلاله وروعته وجماله ، وإلّا وجّهنا أنظارنا إلى آفاق أخرى من القرآن الكريم ، نطالع فيها وجوه الجمال والجلال والرّوعة من قريب ! ونعود إلى ما كنّا فيه من النّظر في قوله تعالى :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
لما ذا يرتّل القرآن ترتيلا ؟ وما ذا لو سرد سردا ؟ أينقص ذلك من معانيه ؟ أو يذهب ببعض الدّلالات والمفاهيم لما فيه ؟ والجواب على هذه الأسئلة يحتاج إلى أن ننظر إلى أكثر من اتّجاه . فأوّلا : القرآن الكريم ليس كتاب علم يقرّر الحقائق الّتي حملها إلى النّاس تقريرا علميّا ، ولو كان ذلك من مقاصده لما طال هذا الطّول ، ولما امتدّ هذا الامتداد ، ولكان في الإمكان عرض حقائقه كلّها في آيات قليلة ، لا تتجاوز سورة من سور المفصّل ، أو من طوال السّور على أكثر تقدير . ولكنّ القرآن كتاب تربية وتهذيب قبل كلّ شيء ، فهو يمهّد الطّريق إلى العقول والقلوب ، قبل أن يغرس فيها ما يغرس من حقائق ، شأن المربّي الّذي يقدّم وسائل الإيضاح بين يدي الحقائق الّتي يريد عرضها على الطّالبين . إنّ أكثر الحقائق القرآنيّة معروفة للنّاس قبل أن ينزل القرآن بها ، قد جاءت بها الأديان السّماويّة وغير السّماويّة ممّا اهتدى إليه النّاس بفطرتهم وبتجربتهم . وإنّما الّذي في القرآن هو هذا الأسلوب المعجز في عرضها وتجليتها ، وتأليف العقول والقلوب لها ،