كيف يكون الحال لو تلي عليهم القرآن هكذا مرّة واحدة في يوم أو يومين مثلا ؟ وانظر بأيّ قلوب ، وبأيّة آذان كانوا يستمعون إلى ما في القرآن عن بدر وأحد والأحزاب وحنين ؟ ما ذا يكون قول القرآن في تلك الأحداث الّتي لم تقع بعد ؟ وما ذا كان يمكن أن يقول في حديث الإفك مثلا ؟ أو في تلك الأحداث الّتي أمسك بها بعد أن وقعت ، وناقشها مناقشة كاشفة ، وحاسب أصحابها حساب العليم الحكيم العادل ؟ ما ذا كان يمكن أن يقول القرآن في هذا ونحوه ؟ كان لا بدّ أن يكون القرآن المقترح غير هذا القرآن ، حتّى يجد من يسمع له ، ولو مجرّد سماع ! إنّ نزول القرآن نجوما على تلك الصّفة الّتي نزل بها قد مكّن له من أن يظلّ دائما على أحداث دعوته ، مدافعا عنها ، فاضحا أعداءه حين يضبطهم متلبّسين بما يدبّرون من زور وبهتان ، وبما يبيّتون ما لا يرضى من القول ! وفي هذا ما فيه من مؤانسة للنّبيّ ، وتثبيت لقلبه ، وتطييب لخاطره ، وإنعاش لروحه كلّما نسم أنسام السّماء ، ووجد شميمها في غدوات جبريل وروحاته إليه . فعندئذ تتقشّع من نفسه سحب الهمّ والضّيق الّتي كانت تسوقها إليه قريش ، وغير قريش من المشركين والمنافقين ، بما يدبّرون من مكايد ، وما يبيّتون من ضرّ وأذى . كما أنّه كان النّاس دائما في ترقّب لما سينزل من قرآن يفضح ما في الصّدور ، ويكشف ما في النّفوس من مضمرات السّوء .
ترتيل القرآن ترتيلا :
وثاني الأمرين اللّذين كشف فيهما القرآن عن السّبب في نزوله منجّما هو ترتيل القرآن نفسه ، فهذا التّرتيل ممّا أوجب اللّه تلاوة القرآن عليه وصحبته به ، فقال تعالى مخاطبا نبيّه - وهو خطاب لأصحاب القرآن جميعا - :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
« 1 »
وقال سبحانه :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 2 » .
فهذا التّرتيل يقتضي زمنا طويلا ليتلى فيه القرآن
عَلى مُكْثٍ
، ولهذا فقد نزّله اللّه تنزيلا ، أي شيئا شيئا ، وحالا بعد حال ، كأنّما ينزل كلمة كلمة ، أو قطرة قطرة !
هامش
( 1 ) - المزّمّل / 1 - 4
( 2 ) - الإسراء / 106