ونصّه أيضا في « إعجاز القرآن »
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا . . .
الفرقان / 32
فهذه ثلاثة أمور اقتضتها حكمة الحكيم العليم لمجيء القرآن منجّما على تلك المدّة الّتي نزل فيها . وننظر فيها واحدا واحدا .
تثبيت فؤاد النّبيّ
وهذا الأمر بالمقام الأوّل ، فإنّ النّبيّ هو حامل هذا المشعل السّماويّ ، فلا بدّ من حساب وتقدير معه ، ليظلّ قويّا قادرا محتفظا بقوّته وقدرته على حمل هذا المشعل الّذي بين يديه ، فإنّ أيّ ضعف أو وهن يعرض لحامل هذا المشعل يجعل الشّعلة تهتزّ في يده ، فلا تأخذ الوجه الّذي ينبغي أن تأخذه بين النّاس .
وننظر فيما يكون لو نزل القرآن الكريم على النّبيّ جملة واحدة ، كما كان هو المقترح من الكفّار .
فأوّلا : النّبيّ - كبشر - لا يستطيع أن يحتفظ بالقرآن في صدره لو أنّه استمع إليه مرّة واحدة ، ولو تحمّله عن هذا الاستماع لتفلّت كثير منه من صدره ؛ إذ القرآن على قربه من القلوب ، ومخالطته للنّفوس شديد التّفلّت من الصّدور ، أشبه بالنّور يملأ العين ما دامت مفتوحة ، فإذا غمضت امتلأت ظلاما ، وقد وصف النّبيّ الكريم هذه الحال من القرآن فقال :
« استذكروا القرآن فهو أشدّ تفصّيا « 1 » من صدور الرّجال من النّعم بعقلها » « 2 » .
وقد يعترض هنا معترض فيقول : أليس في قدرة اللّه أن يحمل عن النّبيّ عب الحفظ ، فيلقي إليه القرآن في صدره ، ويقذفه في قلبه ، ويقيمه فيه كلّه في لحظة خاطفة ، فلا يفلت منه شيء بعد هذا أبدا ؟
هامش
( 1 ) - تفصّيا ، أي تفلّتا ، والنّعم : الإبل ، العقل : جمع عقال ، وهو ما تمسك به النّاقة في مركبها .
( 2 ) - صحيح مسلم : 1 : 191 .