ونقول : إنّ قدرة اللّه لا يعجزها شيء ، ولو كان هذا الأمر المقترح وقع على تلك الصّورة لما كان للنّبيّ جهاده وبلاؤه ، ولما كان له فضل ذاتيّ يضاف إلى حسابه ، ويجزى به الجزاء الأوفى . ولقد أمره اللّه سبحانه وتعالى أن يهيّئ نفسه لحمل هذا العب ، وأن يلقاه صابرا فيقول له :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
« 1 » ، ويقول له سبحانه :
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً
« 2 » .
وثانيا : لو نزّل القرآن جملة واحدة بأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وإرشاداته ونصائحه وجدله وزواجره ، وغير ذلك من مقاصد الكتاب العزيز . فكيف كان يمسك النّبيّ بكلّ هذه الاتّجاهات ؟ وكيف كان يستقيم عليها خطوه ويجتمع إليها رأيه ؟ وما ذا كان يقدّم منها أو يؤخّر ؟
لقد رأينا في المبحث السّابق في باب « القرآن في منطق الأحداث » أنّ القرآن كان يدير المعركة الممتدّة بينه وبين كفّار قريش في مكّة ، ثمّ بينه وبينهم ، ومعهم اليهود في المدينة ، كان يدير هذه المعركة في سلسلة من المعارك ، يدخل في كلّ معركة منها بالسّلاح المناسب لظروفها وأحوالها ، وبهذا غلب وانتصر !
وانظر كيف كان الأمر لو أنّ القرآن المدنيّ نزل في مكّة قبل الهجرة ، وواجه به النّبيّ قريشا ، ثمّ لمّا هاجر إلى المدينة واجههم بالقرآن المكّيّ ؟ هذه جزئيّة صغيرة من جزئيّات الموقف ؛ لأنّها تقسم القرآن قسمين ، فكيف يكون الحال لو تغايرت الآيات كلّها واختلط بعضها ببعض ، ثمّ كان على النّبيّ أن يتخيّر ما يشاء منها ؟ أكان ذلك يجيء على الوجه الّذي نزل عليه القرآن ؟ ثمّ لو كان ذلك ممكنا ، أكان للنّبيّ أن يمسك بعض الآيات ويرسل بعضها إلى أجل مسمّى ؟ وإذن فهو التّنجيم الّذي يعترض عليه من الكفّار ، ومن في قلوبهم مرض .
وإذن فقد كان على النّبيّ أن يبلّغ هذا القرآن الّذي نزل عليه ، وأن يؤذّن به في النّاس مرّة واحدة ، وبغير هذه الصّورة يظلّ على هذا الاعتراض - السّفيه - قائما . واذكر هنا كفّار قريش ، واستحضر أبا جهل وأبا لهب وأميّة بن خلف ، وغيرهم من رؤوس الكفر ، وانظر
هامش
( 1 ) - المزّمّل / 5 .
( 2 ) - الفرقان / 52 .