والإنجيل فقد نزلا دفعة واحدة ، فناسبهما الفعل ( انزل ) الّذي يدلّ في صورتيه اللّفظيّة والسّمعيّة على مجرّد حدوث الفعل من غير تكرار الحدث مرّة بعد مرّة . ثمّ كان القرآن قد كاد يتكمّل حقيقته بهذا القدر الكبير الّذي نزل منه ، إذ كانت سورة آل عمران - الّتي فيها هذه الآية - من أواسط السّور المدنيّة وبهذا ناسب أن يعبّر عن القرآن مرّة أخرى بالفعل ( انزل ) الّذي يدلّ على مجرّد النّزول . ويفهم من هذا أنّ القرآن نزل على صورة غير الصّورة الّتي نزلت عليها التّوراة والإنجيل ؛ إذ نزل نجوما مفرّقة ، على حين أنّهما نزلا دفعة واحدة .
ثمّ لكي يكون هناك ما ينفى عن نزول القرآن على تلك الصّورة أنّه لم يكمل ، وأنّه قد نزل بعضه ولم ينزل جميعه ، قال :
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
، أي أنّه كمل أو في طريق الكمال ، شأن الكتب السّماويّة الّتي نزلت جملة واحدة . ونزول القرآن على تلك الصّفة منجّما قد أكسبه خاصّيّة لا يمكن أن تتحقّق لو أنّه نزل جملة واحدة ، وقد استطاع بنزوله نجوما هكذا أن يكون قائما على إحداث دعوته مدافعا عنها ، فاضحا أعداءه حين يضبطهم متلبّسين بالإفك والبهتان وتبيّت ما لا يرضى من القول ، ثمّ لم يفقده ذلك شيئا ممّا ينبغي له من تمام وكمال ، فلم تسقط منه كلمة ، ولم ينخرم منه حرف . ( ص : 307 )