تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
وخلط النّفوس والأرواح بها . وترتيل القرآن داعية من أقوى الدّواعي لشرح الصّدور له ، وتأليف القلوب عليه ، وجذب النّفوس إلى تقبّل الحقائق الّتي حملها والأخذ بها والتّجاوب معها . ذلك أنّ هذا التّرتيل يعرض الحقائق عرضا مشبعا بالجوّ العاطفيّ المناسب لها ، فتجد مساربها إلى العقول والقلوب ، وتنفذ إليها في تدفّق وقوّة ، فيستيقظ لها الكيان الإنسانيّ كلّه ، وتصحو لها المشاعر والمدارك ، وتتلقّاها في نشوة غامرة ، وفي روح وراحة ورضى . إنّ هذا التّرتيل هو الموسيقى السّماويّة الّتي صحبت القرآن ؛ كي تؤدّي بها الحقائق القرآنيّة لتبلغ غايتها المقدّرة لها من التّأثير والإقناع ، وبغير هذا التّرتيل تتعرّى هذه الحقائق من تلك الهزّة الرّوحيّة الّتي تلمس قرارة النّفس ، وتمسّ صميم الوجدان . ومن أجل هذا كان هذا التّوجيه الإلهيّ الّذي حمل إلى النّبيّ الكريم في صورة الأمر :
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا .
وقد امتثل النّبيّ هذا الأمر ، وأخذ نفسه بهذا التّوجيه الحكيم في قراءة القرآن ، ودعا أصحابه ومن دخل في دعوته أن يتابعوه فيه ، وفي هذا يقول صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبيّ يتغنّى بالقرآن » . ويقول النّبيّ الكريم أيضا : « زيّنوا القرآن بأصواتكم » . هذا والنّغم الموسيقى الّذي يشعّ من تلاوة القرآن نغم مصفّى من كلّ شائبة من تلك الشّوائب الّتي تصحب بعض الألحان الّتي تثير الغرائز الخسيسة ، أو تهيج المشاعر النّازلة ، وإنّما هو الجلال المهيب ، والرّوعة الآخذة ، تحفّان بتلاوة القرآن ، وتستوليان على كلّ من هو بمحضر أو مسمع من مجلس تلاوته . وثانيا : من حساب النّاس مع كلّ طيّب ، من قول أو عمل ، ومن كلّ مادّي أو معنويّ من شؤونهم أن يحرصوا على طول صحبتهم له ، وأن يتوسّلوا بكلّ وسيلة تبقى على هذه الصّحبة أطول زمن ممكن . والقرآن الكريم خير ما وقع للنّاس في هذه الحياة من طيّبات ، تنعم بها الأرواح ، وتسعد في ظلّها القلوب . ولهذا فقد كان من تمام هذه النّعمة الكريمة الّتي أنعم بها على نبيّه وعلى الإنسانيّة كلّها أن ينزل القرآن منجّما مرتّلا . وبهذا يتضاعف الفضل ، وتتزاوج النّعمة