تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
جُمْلَةً واحِدَةً
؛ لأنّ
نُزِّلَ
يفيد تقطيع الفعل ، ووقوع النّزول حالا بعد حال ، في قولهم هذا تعريض بالتّهمة الّتي يتّهم بها القرآن عندهم ، وهو أنّه نزّل لا أنزل ، فهم يحكون الصّورة الّتي نزل عليها القرآن ، ثمّ ينكرونها بقولهم :
جُمْلَةً واحِدَةً .
وقد ردّ سبحانه وتعالى عليهم هذا الإنكار ، مبيّنا الحكمة من نزول القرآن منجّما ، على هذا الأسلوب ، بقوله سبحانه :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً .
فقوله تعالى :
كَذلِكَ
إشارة إلى الصّورة الّتي نزل عليها القرآن ، أي أنزلناه على هذا الأسلوب المنجّم :
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
، وذلك التّثبيت هو بهذا الاتّصال الدّائم بالسّماء ، وبتلقّي ما ينزل منها حالا بعد حال ، على مدى ثلاث وعشرين سنة ، تنتظم مسيرة الدّعوة ، من مبدأ الرّسالة إلى خاتمتها ، فعلى كلّ خطوة في هذه المسيرة ، وعند كلّ موقف من مواقفها ، كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم يتلقّى إمداد السّماء ، ويفتح قلبه وسمعه لنداء الحقّ جلّ وعلا ، فيما يحمل إليه الملك من كلمات ربّه ، فيجد الرّوح لروحه ، والأنس لنفسه ، والعزاء الجميل لكلّ ما يلقى من ضرّ وأذى ،
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ .
ولو نزّل القرآن جملة واحدة ، لما وجد الرّسول هذا الّذي كان يجده منه ، من أنس دائم ، ومدد ممتدّ من تلك الثّمرات الطّيّبة ، الّتي ينال غذاءه الرّوحيّ منها كلّما أحسّ جوعا ، وهفت روحه إلى زاد من مائدة السّماء ! . إنّه لو نزّل القرآن جملة واحدة ، لكان على النّبيّ أن يحمل هذا الزّاد الكثير معه على كاهله ، ثمّ كان عليه - كلّما أحسّ جوعا - أن يتخيّر من هذا الزّاد طعامه ، ثمّ كان عليه أن يعدّ هذا الطّعام ، وأن يهيّئه ، ثمّ كان عليه أيضا أن يحدّد القدر المناسب لحاجته ، وهذه كلّها عمليّات تستنفد جهدا كبيرا من النّبيّ ، وتذهب بكثير من طاقاته الرّوحيّة في البحث والإعداد ، وهذا على خلاف نزول القرآن منجّما حسب الحاجة ، وعند الظّروف الدّاعية ؛ حيث يجد النّبيّ في تلك الحال وجوده كلّه مع آيات اللّه المنزلة عليه ، فتشتمل عليه ، وتنسكب في مشاعره ووجدانه ، وتملأ عقله ، وتلبس روحه ، وشتّان بين طعام محفوظ في علب ، وبين هذا الطّعام المجتنى من مغارسه لساعته ! . ( 10 : 16 - 18 )
نصوص في علوم القرآن — صفحة 484 | السيد علي الموسوي الدارابي