الكريم كلّه ، بها تحدّى قريشا ، وبها أفحمهم وأعجزهم ! وإذا كان لنا أن نمثّل الصّورة الّتي تنزّل بها القرآن ، فإنّه يمكن أن نرى في القمر وفي مطالعه ومنازله أقرب صورة له ، حيث القمر هو القمر في جميع مطالعه ، وإن لم ينكشف من وجهه هلالا ، ما انكشف منه بدرا . إنّه في جميع أحواله آية من آيات اللّه ، وإنّ آية لمعة بارقة منه هي إشارة مبيّنة عنه ، ونبأ عظيم يحدّث عن بهائه وجلاله وروعته ومع هذا ، فإنّ العيون الكليلة لا تنبهر به ، والقلوب المريضة لا يروعها ما يروع القلوب من هذا الجلال والجمال المطلّ به على الوجود ، تماما كالقرآن الكريم الّذي لم تتفتّح له قلوب المستكبرين الضّالّين ، حتّى بعد أن تمّ وكمل ، على حين انجذب إليه المهتدون المؤمنون مع أوّل آية من آياته ، ولأوّل إشارة من إشاراته .
( 8 : 567 - 569 )
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
الفرقان / 32
وهذه مقولة أخرى من مقولات المشركين في القرآن ، ومن مماحكاتهم
الغثّة الباردة حوله . لقد أخزاهم قولهم فيه :
إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ
، وقولهم :
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
« 1 » ، لقد أخزاهم هذا القول ، ولم يجدوا له بينهم أذنا تسمع ، أو إنسانا يصدّق ، فجاءوا إلى ما حول القرآن ، لا إلى القرآن نفسه ، إذ لم يجدوا للزّور فيه مقالا ، وبدا لهم أنّ الصّورة الّتي ينزل عليها القرآن ، يمكن أن ينظروا إليها على أنّها دليل على العجز والقصور ، وعلى معاودة النّظر ومعاناة البحث ، حتّى يقع النّبيّ على الكلمات المناسبة والظّرف المناسب ، ثمّ يطلع على النّاس بها ، هذا ، وإلّا لما ذا جاء هذا القرآن منجّما هكذا ، تتنزّل آياته قطرات قطرات ، ولا تنزّل جملة واحدة ؟ إنّه لو كان هذا القرآن من عند اللّه لأنزله اللّه جملة واحدة ؛ إذ أنّ قدرة اللّه لا يكون منها هذا العجز البادي في نزول القرآن قطعا متناثرة ! هكذا فكّروا وهكذا قدّروا ، وإنّه لبئس التّفكير ولبئس التّقدير ! وفي قولهم :
نُزِّلَ
بدل أنزل ، الّذي يناسب قولهم :
هامش
( 1 ) - الفرقان / 4 - 5 .