الزّاد الكريم المختلف الألوان والطّعوم ، طوال تلك المدّة الّتي كان القرآن يتنزّل فيها ، وهم يرصدون مطلع كلّ آية ، ويشهدون بزوغ كلّ كلمة . وبهذا ظلّ النّبيّ والمؤمنون معه خلال هذه السّنين الثّلاث والعشرين في مقام الانتظار لهذا الضّيف العظيم ، تطلع عليهم مواكبه موكبا موكبا ، وتلقاهم أضواؤه شعاعة شعاعة ، حتّى إذا كان آخر كوكبة في مواكبه ، وآخر ضوءة بين السّماء والأرض أذّن مؤذّن الحقّ :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
« 1 » .
وعندها صافح النّبيّ هذا الوافد الكريم في موكبه الحافل ، وسناه المشرق ، ثمّ ودّعه ؛ لينتقل هو صلّى اللّه عليه وسلم إلى الرّفيق الأعلى ، وليقيم القرآن في النّاس مقامه ، حيث يجتمع عليه المسلمون ، ويستقبلون من آياته وكلماته إشارات الهدى ، إلى حيث الفلاح والنّجاة في الدّنيا والآخرة جميعا .
وفي قوله تعالى :
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
، وفي تعدية الفعل « قرأ » بحرف الجرّ ( على ) :
عَلَى النَّاسِ
بدلا من اللّام : ( للنّاس ) إشارة إلى علوّ هذا القرآن ، وأنّه بحيث يشرف عليهم من عليائه ، فيملأ وجودهم نورا وألقا ، وبحيث يكشف لهم كلّ خفيّة ، إذا هم جعلوا أبصارهم إليه ، ووجّهوا عقولهم وقلوبهم له ، فلا تعمى عليهم المسالك ، ولا تتفرّق بهم السّبل ، وفي هذا يقول الرّسول الكريم : « تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا : كتاب اللّه وسنّتي » .
وفي قوله تعالى :
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
بيان للأسلوب الّذي نزل به القرآن خلال هذا الزّمن الّذي نزل فيه ، وأنّه نزّل تنزيلا ، أي نزل شيئا فشيئا ، وهذا يعني أنّ القرآن الكريم وإن تلقّاه النّبيّ آية آية وآيات آيات وسورة سورة فإنّه في جميع أحواله تلك هو القرآن الكريم كلّه . ففي الآية الواحدة أو الآيات يعرف القرآن الكريم ، ويعرف أنّه كلام ربّ العالمين ، وأنّه المعجزة القاهرة المتحدّية الّتي تقصر دونها أيدي البلغاء ، وتخضع لجلالها رقاب الفحول من الشّعراء والخطباء !
فالآيات القليلة الّتي تلقّاها النّبيّ في صدر دعوته ، كانت صورة مصغّرة للقرآن
هامش
( 1 ) - المائدة / 3 .