تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
ففي هذه الآيات ما يكشف عن مشاعر النّبيّ نحو تلك الآيات الّتي كانت تتنزّل مفردة غير منسوبة إلى سورة من السّور ، وإشفاقه من أن تفلت منه ، حيث لم ترتبط بغيرها من آيات القرآن والسّورة . وفي قوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
تطمين للنّبيّ بهذا الوعد الكريم من اللّه سبحانه ، بأنّه جلّ شأنه هو الّذي سيتولّى جمع هذا القرآن المفرّق ، وبناءه على الصّورة الّتي أراده اللّه سبحانه أن يقرأ عليها . وذلك ما كان بعد أن تمّ نزول القرآن وانقطع الوحي ، فكان القرآن على تلك الصّورة الّتي تلقّاها النّبيّ من جبريل في العرضة الأخيرة للقرآن ، ثمّ تلقّاها من النّبيّ الصّحابة وكتّاب الوحي ، ثمّ تلقّاها المسلمون جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا وإلى يوم الدّين . ( 7 : 367 - 371 )

وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ . .

الإسراء / 106 والواو في قوله تعالى :
وَقُرْآناً
هي واو العطف ، وما بعدها معطوف على الآية قبلها . ليثبت وصفا آخر للقرآن ، فكما أنّه نزل بالحقّ ، وبالحقّ استقرّ وثبت ، ولم يلحقه تبديل أو تحريف ، هو كذلك نزل قرآنا منجّما ، ولم ينزل مرّة واحدة . وفي تنكير
قُرْآناً
تنويه به ، ورفع لقدمه ، وأنّه لتفرّده بهذا الوصف مستغن عن كلّ تعريف ، إذ كان هو وحده المستأهل لأن يقرأ ، وأن يؤثر بالقراءة من كلّ قارئ . و
فَرَقْناهُ
، أي نزّلناه مفرّقا ، ولم ينزّل كلّا واحدا ، كما نزلت الكتب قبله ، وأصله من الفرق ، وهو الفصل بين الشّيئين ، كما يقول سبحانه وتعالى :
فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
« 1 » أي أنّ موسى حين ضرب البحر بعصاه انفلق وانشقّ ، فكان كلّ فرق ، أي جانب ، كالجبل العظيم . وقد قرئ ( فرّقناه ) بتشديد الرّاء ، وهذا يؤيّد المعنى الّذي أشرنا إليه ، كما يؤيّده قوله تعالى بعد ذلك :
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ .
فهذا تعليل للسّبب الّذي من أجله أنزل اللّه سبحانه وتعالى القرآن
عَلى مُكْثٍ
، أي على زمن متطاول ، فنزّل منجّما ، أي مفرّقا في نحو ثلاث وعشرين سنة وذلك ليعيش النّبيّ والمؤمنون معه على هذا
هامش
( 1 ) - الشّعراء / 63 .