الأحكام بعد ، في العبادات والمعاملات وفي القتال ، وما يتّصل به من غنائم وأسرى ، وغير ذلك ممّا يمكن أن يرد عليه النّسخ ، إن كان هناك نسخ ، إذ أنّ النّسخ إنّما تناول الأحكام الشّرعيّة وحدها . هذا ، وقد استدلّ القائلون بالنّسخ في القرآن بآية أخرى ، هي قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
« 1 » .
وسنعرض لهذه الآية في موضعها إن شاء اللّه ، وحسبنا أن نقول هنا : إنّ النّسخ وارد على ما يلقي الشّيطان ، لا على آيات اللّه ، وأنّ اللّه سبحانه وتعالى يحكم آياته ولا ينسخها ، وإذن فلا نسخ في آيات اللّه .
ولعلّ في قوله تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
« 2 » هذا ما يشير إلى شيء من هذا التّدبير السّماويّ في نزول القرآن غير مرتّب الآي ؛ إذ ربّما كان صلّى اللّه عليه وسلم تتنزّل عليه الآية من القرآن ، غير منسوبة إلى سورة من السّور الّتي نزلت ، فيبادر إلى وصلها بما سبقها أو لحقها ، حتّى لا تظلّ في عزلة بين سور القرآن الّتي تتلى في الصّلاة ، أو ترتّل في غير الصّلاة ، فجاء قوله تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
ليدفع عن النّبيّ هذا الشّعور من القلق على تلك الآيات المفردة أن ينظر إليها غير تلك النّظرة الّتي للقرآن الّذي جمعت آياته وتمّت سوره ! فتلك دعوة للنّبيّ إلّا يعجل ببناء القرآن قبل أن يتمّ وحيه إليه به ، إذ ما زال هناك قرآن كثير لم ينزل بعد ، وفي هذا القرآن الّذي سينزل علم كثير ، يزداد به النّبيّ علما إلى علم .
ويؤنسنا في هذا الفهم لتلك الآية الكريمة ما نجده في قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 3 » .
هامش
( 1 ) - الحجّ / 52 - 53 .
( 2 ) - طه / 114 .
( 3 ) - القيامة / 16 - 17 .