وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
« 1 » . فتثبيت فؤاد النّبيّ هو من بعض ما في نزول القرآن على تلك الصّورة من حكمة .
وأمّا عن نزول القرآن غير مرتّب الآي ، فقد رأينا أنّ من حكمته تثبيت قلوب المؤمنين ، بما تحمل إليهم الآيات الّتي تسبق سورها من بشريّات ، كما يقول اللّه سبحانه وتعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
« 2 » .
ففي هذا التّدبير ، من نزول القرآن الكريم غير مرتّب الآي ، - في هذا ما يسمح بنزول بعض الآيات متقدّمة زمنا على سورها الّتي ستلتقي بها ، وتأخذ مكانها فيها ، بعد أن يتمّ نزول القرآن كلّه .
وفي هذه الآيات الّتي كانت تنزل متقدّمة زمنا على سورها ، تثبيت لقلوب المؤمنين ، وهدى لهم ، وبشرى بالمستقبل المسعد الّذي ينتظر الإسلام ، وينتظرهم معه .
ولو كان معنى قوله تعالى :
إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
نسخ آية بآية ، لما كان من المناسب أن يكون التّعقيب على ذلك قوله تعالى :
لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
، إذ أنّ النّسخ للآيات القرآنيّة ، ليس من شأنه أن يثبت قلوب المؤمنين ، بل أنّه يكون داعية من دواعي الإزعاج النّفسيّ ، بسبب تلك الآيات الّتي يعيش معها المسلمون زمنا ، ثمّ يتخلّون عنها . ثمّ أنّه من جهة أخرى لا يحمل النّسخ على إطلاقه بشريات للمسلمين ، إذ أنّ أكثر ما وقع النّسخ - كما يقول القائلون به - على أحكام مخفّفة نسخت بغيرها ، ممّا هو أثقل منها ، كما يقال في الآيات المنسوخة في الخمر وفي الرّبا ، وفي حدّ الزّنى .
ثمّ - قبل هذا كلّه - إنّ هذه الآية :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
هي مكّية النّزول ، بل من أوائل القرآن المكّي ؛ حيث لم تكن قد شرّعت
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 - 33 .
( 2 ) - النّحل / 101 - 102 .