وكان يقع من النّاس هذا الموقع ؟ وما ذا كان الأمر لو لم يأت لكلّ ألم بعزاء ، ولكلّ تضحية بجزاء ، ولكلّ هزيمة بسبب وعلاج ، ولكلّ عقبة في الطّريق بتوجيه حاسم ؟ إن لم يكن كذلك لما كان لقوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 1 » موقع . ألست معي في أنّ القرآن وقد تنزّل منجّما كتاب محكم الآيات ؟
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ
« 2 » .
فتنجيمه قد ظنّه الجاهلون عيبا ، فإذا هو أقصى ما يتصوّر في الدّقة والحكمة والبلوغ إلى الهدف الأعلى ، عرفنا أنّ القرآن نزل منجّما ، وكلّ وحدة في النّزول ضمّت لأخواتها في مجموعة واحدة ( السّور القرآنيّة ) ، هذه الوحدة إذا ضمّت إلى وحدات أخرى لم تكن كالوحدة الحسابيّة إذا ضمّت لزميلتها ، وإنّما هي وحدة ضمّت إلى وحدة كما يضمّ العضو في الجسم إلى العضو الآخر . أرأيت إلى السّاق وقد يضمّ إلى الذّراع ؟ إن كنت درست علم الطّب أو التّشريح تدرك تماما كيف يكون الرّباط القويّ المحكم ، إنّ الّذي ربط هذه الأعضاء بهذه القوّة حتّى كان منها جسم كامل هو
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
« 3 » ، هو الّذي ربط الآيات ، الوحدة في النّزول مع الوحدات الأخرى في السّورة ،
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 4 » . وأعجب العجب أنّ هذه الوحدة الّتي نزلت في موضوع خاصّ ؛ إذا أخذتها وضممتها إلى الوحدات الأخرى الّتي نزلت في هذا الموضوع نفسه لرأيت العجب ، تماسكا وتكاملا وارتباطا ووحدة في الموضوع ! وهذا هو الهدف الأوّل للرّسالة . ( ص : 68 - 91 )
هامش
( 1 ) - الأنعام 38 .
( 2 ) - العنكبوت / 49 .
( 3 ) - الأعلى / 2 - 3 .
( 4 ) - المؤمنون / 14 .