الوجهة التّاريخيّة والاجتماعيّة والتّشريعيّة قرآنا يقود العالم كلّه من الظّلمات إلى النّور ، ومن الشّر إلى الخير ، ومن الضّلال إلى الصّراط المستقيم ، ثمّ كان هذا القرآن يهبط كأنّما هو برق خاطف ؟ ثمّ يصبح أشبه بالوثيقة الّتي تلقى إلى الإنسان ، أو التّفويض له من جهة أخرى ، ثمّ تراه يتحوّل سريعا إلى كلمة مقدّسة خالدة .
ولقد تحدّث العالم الجزائريّ مالك بن نبيّ عن تنجيم الوحي ، فقال في كتابه « الظّاهرة القرآنيّة » : إنّنا نبحث مسألة تجزئة الوحي في ضوء هذه النّظرات ، ونستطيع أن ندرك أوّلا قيمته التّربويّة ، فتلك في الواقع هي الطّريقة التّربويّة الوحيدة الممكنة في حقبة تتّسم بميلاد دين وبزوغ حضارة . ( ص : 166 )
أنا أطالب كلّ من يدور بخلده مثل هذا السّؤال أن يتصوّر الحال لو أنزلت آيات القتال دفعة واحدة ، وهي في موضوع واحد بلا شكّ ، بما ذا كان يفهم قوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 1 » ،
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
« 2 » ،
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
« 3 » . مع قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
« 4 » ،
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
« 5 » ،
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
« 6 » ،
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
« 7 » ، مع قوله :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
« 8 » .
فلو لم يكن تنجيم وترتيب في النّزول ، ودراسة تاريخيّة لكلّ آية لكان ذلك من
هامش
( 1 ) - المؤمنون / 96 .
( 2 ) - الكافرون / 6 .
( 3 ) - آل عمران / 200 .
( 4 ) - التّوبة / 123 .
( 5 ) - الأنفال / 39 .
( 6 ) - البقرة / 191 .
( 7 ) - الأنفال / 65 .
( 8 ) - الأنفال / 66 .