تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
تدبّر هذه الآيات وتعمّق في الصّورة الّتي رسمها التّنزيل للأزمنة العنيفة ، والحيرة الشّديدة الّتي كان فيها المسلمون ، ثمّ هذه البشارة وكيف كان وقعها على الجيش المحارب ، ثمّ إذا تحقّق شرطها - الصّبر والتّقوى ومهاجمة الأعداء - تدرك عند ذلك كيف كانت البشرى والبشارة ، وكيف كان وقع النّصر والظّفر على قلوب المسلمين وقلوب الكافرين ؟ وصدق اللّه وعده
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
« 1 » . أرأيت لو أنّ القرآن تكلّم عن غزوة بدر مرّة واحدة في سورة واحدة ، أكان ذلك يعطينا تلك الصّورة الرّائعة ؟ لقد كان تسلسل الوحي في النّزول العامّ للقرآن الكريم ، والنّزول الجزئيّ في الموضوع الواحد خلال ثلاثة وعشرين سنة يبيّن لنا بيانا شافيا سيرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وصحبه خطوة خطوة ، وهو يحوطهم بالعناية والرّعاية ، ويشدّ عزمهم ، ويثبّت أقدامهم ، وينفي القذى عن أعينهم ، ويزيح الدّخان من أمامهم . ثمّ هو يكرّم شهداءهم ، وينذر أعداءهم ، ثمّ هو يراقبهم بعين مفتوحة واعية ، فإذا ما بيّتوا أمرا بليل فضحهم اللّه في الصّباح الباكر ؛
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
« 2 » . وهكذا القرآن الكريم لا يترك حادثة وقعت بلا تعقيب عليها وتوجيه سليم من أجلها ، ولذلك تراه واقفا للمنافقين بالمرصاد ، يكشف سترهم حتّى يعرفهم الرّسول ، وقد كانوا من قبل في غمار القوم غير معروفين ؛
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ
« 3 » . أرأيت إلى الوحي الكريم في تنجيمه وتوقيته كان يقوم بدور المعلّم المرشد ، والهادي إلى الّتي هي أقوم ؟ أرأيت إلى القرآن الكريم وهو يأخذ في دعوته وتشريعه وقصصه وأحكامه مأخذ التّدرّج والتّطوّر ؟ أرأيت لو أنّ القرآن سلك غير هذا السّبيل فجاء في دعوته وتشريعه وقصصه بكلّ ما عنده من بيان وتفصيل دفعة واحدة
هامش
( 1 ) - الرّوم / 47 . ( 2 ) - التّوبة / 64 . ( 3 ) - التّوبة / 101 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 475 | السيد علي الموسوي الدارابي