تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
التّناقض الّذي يتنزّه عنه كلّ كتاب بشريّ فما بالكم بالكتاب المحكم ؟ ودراسة آيات التّشريع في الخمر والرّبا وغيرهما على ما سندرسه ترشدنا إلى أنّ التّنجيم في القرآن ظاهرة لا يمكن أن يسير بدونها ، واجتماع مراحل التّشريع في آيات متلاحقة يعطيك فكرة أنّ هذا القرآن لا يصدر إلّا من حكيم عليم . والقصّة وما أدراك ما القصّة ، إنّ أمرها في التّنجيم عجيب ! وأيّ عجب ؛ إذ ذكرت في أماكن متعدّدة وبأساليب مختلفة ، وصورت المشهد الواحد عدّة صور ، أترى لو أنّها جمعت في مكان واحد أكانت تعطي أيّ مبدأ من مبادئ الإعجاز في البيان ؟ لا أنّها كانت مدعاة للسأم والملل . فإن قيل : يكفينا صورة واحدة كاملة بأسلوب واحد وتصوير واحد ، هذا كلام من لم يدرس القصّة في القرآن ، ولم يعلم أنّ المصوّر إذا أراد أن يعطيك الصّورة الكاملة لشيء لا بدّ أن يصوّره في عدّة أوضاع ، وفي عدد من الاتّجاهات حتّى تستطيع أن تدركه ، إذا التّكرار لازم وتنجيمه ألزم ، وسبحان من هذا كلامه . وإذا اتّجهت إلى الكلام على العقيدة هل يتصوّر أن ينزع كتاب أيّا كان عقيدة خالطت الدّم والعقل بجرّة قلم ، بدقّة واحدة ، بلغة واحدة ، بدليل واحد ، بخطّة واحدة ، بتشريع واحد ، بتصوير واحد ، كلّ هذا لا يمكن أبدا . فلا بدّ من التّنجيم والتّنويع واختلاف المكان والزّمان . انظر إلى حادثة بدر أو أحد ، كيف كان الحال لو نزل القرآن كلّه مرّة واحدة عن هاتين الحادثتين دفعة واحدة قبلها أو بعدها ؟ أمّا قبلها فلا وقع له في النّفوس ، وأمّا ما بعدها فسيكون حديثا عمّا مضى حديثا باهتا لا قوّة فيه . ولكن انظر إلى القرآن وهو يتتبّع الحوادث أوّلا بأوّل ، ولا يدع فرصة إلّا تكلّم عنها ، ولا يدع موقفا متأزّما إلّا قال كلمته فيه . اقرأ معي قوله تعالى :
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
« 1 » .
هامش
( 1 ) - آل عمران / 124 - 126 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 474 | السيد علي الموسوي الدارابي