تذهب به إلى ورقة بن نوفل ، وكان امرأ قد تنصّر في الجاهليّة ، وقرأ من الكتاب ما شاء اللّه له أن يقرأ .
لقد استغرق نزول الوحي هذا - الّذي ذكرنا بدأه - بضعا وعشرين سنة . ولكنّ الوحي مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كان عجيبا حقّا ، إذ قد يأتي تباعا من غير انتظار ، وقد ينقطع عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم مدّة رغم انتظاره له ، وطلبه بإلحاح ليدفع عنه الحرج الّذي هو فيه ، والّذي دعا بعضهم لأن يقول : إنّ ربّ محمّد قد ودّعه وقلاه . أما ترى إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وقد اشتدّ عليه إيذاء المشركين بعد موت عمّه أبي طالب وزوجته خديجة ، وقد بقي وحيدا فريدا . والنّبيّ لهذا يأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، أمّا هو فبقي منتظرا الوحي مع شدّة الحاجة إليه ، وقد كان كذلك في المدينة في حادثة الإفك ، يتطلّع إلى السّماء ، ويترقّب الوحي الّذي يقطع همّه ويفرّج كربه . ويبرئ أهله ، ويقطع ألسنة المنافقين ، وقد كان ألمه كثيرا من هذا . ومع كلّ هذا فقد ظلّ الوحي شهرا كاملا أمضاه الرّسول على أحرّ من الجمر ، ولكنّه وحي السّماء ينزل حيث أراد اللّه
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
« 1 » .
وهنا يبرز سؤال هامّ : ألم يكن من الممكن أن ينزّل القرآن مرّة واحدة كما نزّل غيره من الكتب ، أو على الأقلّ كلّ موضوع قرآنيّ ينزل دفعة واحدة ؟
ذلك سؤال قديم قاله الجاهليّون المشركون قديما ، وردّده الملاحدة المحدّثون على أنّه مطعن في الوحي وقصور في القرآن ، وقد سجّل القرآن هذا في قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 2 » .
ولكنّ الواقع التّاريخيّ والواقع الحقيقيّ لتلك الرّسالة الخالدة ، مع ذلك الكتاب الّذي أنزله عالم السّرّ والنّجوى في السّماوات والأرض ، يؤيّد هذا التّنجيم في النّزول ، والتّنجيم في الموضوع الواحد بصورة قاطعة كما ستعرف الآن .
بل أصبح لهذا التّنجيم أهمّية قصوى في نجاح هذه الدّعوة ؛ إذ بما ذا كنّا نفسّر من
هامش
( 1 ) - مريم / 64 .
( 2 ) - الفرقان / 32 .