تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
فاللّه جعله قرآنا مجيدا وجعله في لوح محفوظ ، ثمّ أنزله إلى سماء الدّنيا في ليلة مباركة من ليالي رمضان هي ليلة القدر ثمّ أنزله على عبده ورسوله منجّما في ثلاث وعشرين سنة تبعا للأحداث والحوادث ؛ لحكم وأسرار بيّنّا بعضها ، واللّه أعلم بأسرار كتابه ، وصدق اللّه
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها . . . .
فالحكمة تقتضي تنزيله مفرّقا على هذا الوضع المناسب للأحداث ، لا ينقص فيما قدّره اللّه أو يزاد ؛ لأنّه أنزله بالحقّ وبالحقّ نزل ، فذكر الموضوع غير تامّ في السّورة بتقدير العزيز العليم ، إذ كلّ شيء عنده بمقدار ، ولكي نفهم لما ذا لم يذكر الموضوع تامّا في السّورة ، لا بدّ أن نقف على تنزّلات القرآن ، ونحاول أن نفهم بعض الحكم والأسرار ، وألصق شيء بتلك الدّعامة الوقوف على تنزّلات القرآن .

لما ذا لم يذكر الموضوع الواحد تامّا في سورة واحدة ؟

الوحي الإلهيّ المنزّل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم باعتباره ظاهرة تمتدّ في حدود الزّمن وتؤثّر فيه تمتاز بخصيصتين هامّتين بقطع النّظر عن طبيعته الذّاتية ، هاتان الخصيصتان هما : 1 - تنجيم الوحي في ثلاث وعشرين سنة . 2 - وحدته الكاملة في التّاريخ والتّشريع والتّربية السّليمة . أمّا تنجيم الوحي وأنّه ضرورة محكمة له فظاهر ، وله دواع وحكم قد تعرّضنا لبعضها بما يشفي صدور القوم المؤمنين ، وبما يلقم الأحجار في أفواه الجاحدين المعترضين ، أمّا وحدته التّامة في كلّ شيء فهذا ما نعرض له الآن ، وقد نصل فيه بعون اللّه إلى ما نريد . لقد بدأ الوحي في غار حراء بهذا الحوار المسموع الّذي دقّ سمع الوجود ، ففتح قلبه لكلّ ما يأتي . لقد بدأ
اقْرَأْ . .
« ما أنا بقارئ » وهذا يدلّ من أوّل الأمر على أنّ ذلك الوحي ليس من باب الهذيان أو الاختلاط ، فقد تقرّر بالقراءة مع الضّمّ ثلاث مرّات في حوار جادّ ليس بالهازل ، وهذا ممّا لا يمكن أن يكون بعد هذه الصّدمات الصّوتيّة ، والحركات العنيفة في الضّمّ الّذي بلغ منه صلّى اللّه عليه وسلم الجهد أن يقال : إنّ هذا من باب الهذيان أو الاختلاط ، ولقد بلغ الجهد من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم مبلغه حتّى رجع إلى خديجة زوجته الطّاهرة الحنون يرجف فؤاده خوفا ممّا لاقى . فتقوم الملاك الطّاهر ، وتأخذ بيديه ، وتهدّئ من روعه ، وتبشّره بالخير ، ثمّ