وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
« 1 » . فهذا النّسق البياني ، وتلك الصّورة الرّائعة الدّقيقة ، وهذا التّصوير الدّقيق المحكم ، وتلك المناسبات القويّة المحكمة بين كلّ آية وآية ، كلّ هذا دليل على أنّه تنزيل من حكيم عليم ، وصدق اللّه
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 2 » .
يا عجبا كلّ العجب من كتاب نزل مرتبطا بالأحداث والحوادث منجّما تبعا للظّروف والأحوال ، ثمّ هو يجمع مرّة ثانية على شكل آخر وبوضع آخر ، وفي السّورة المقروءة تجد المدهش المعجز في بيانه وتصويره ، وتجد الرّباط المحكم في سوره وآياته .
أليس ذلك برهانا ساطعا على أنّه كلام خالق القوى والقدر ، إليه يرجع الأمر كلّه ؟
انظر معي إلى حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو كما تعرف آية في البلاغة والرّوعة ، ولقد قاله في مناسبات عدّة لدواع متباينة في أزمان متطاولة ، فهل في الإمكان لو اجتمع الإنس والجانّ على أن يصوغوا منه كتابا مرتّبا محكما ذا بيان وقوّة وسلطان يملك عليك قلبك ، ويجبر الخصم الألدّ على أن يقول : واللّه إنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر . أظنّ ذلك ليس في الإمكان بل ولا في الحسبان ، ولقد كان معذورا ذلك العربيّ الجاهليّ الّذي سجد لبلاغة القرآن وروعته ، ونحن لا نقول فيه إلّا ما قاله اللّه فيه :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 3 » .
لقد تكلّمت عن تنزّلات القرآن الأوّل إلى اللّوح المحفوظ ، والثّاني إلى بيت العزّة في سماء الدّنيا ، والثّالث نزوله منجّما على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ولقد ذكرت الحكمة في كلّ بالإجمال تارة وبالتّفصيل تارة أخرى .
هذا صحيح ، ولكن ما علاقة هذا بتلك الدّعامة « ذكر الموضوع غير تامّ في السّورة » إنّ هذا يذكّرني بقوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
« 4 »
هامش
( 1 ) - الفرقان / 6 .
( 2 ) - النّساء / 82 .
( 3 ) - هود / 1 .
( 4 ) - الرّعد / 17 .