خطأهما ، ولكن أليس لهما سند أم أنّ هذا كلام بلا سند ؟
أمّا من يقول : إنّ المعنى من اللّه ، واللّفظ من عند جبريل ، فلا سند له ، وإنّما هو هوس وتخريف ، وكان يجب على أئمّة علوم القرآن كالزّركشيّ والسّيوطيّ ألّا يذكرا هذا الرّأي ، وإن ذكرا لا بدّ من التّعقيب عليه بما يدحضه حتّى لا يغترّ بذكره أحد . أمّا من يقول : إنّ اللّفظ من عند محمّد ، فيستدلّ على كلامه بقوله تعالى
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
« 1 » .
فالقرآن نزل على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وما ينزل على القلب إنّما هو معنى لا اللّفظ ، وعلى ذلك فالمعنى من اللّه واللّفظ من عند محمّد . والّذي دفعهم إلى ذلك أنّه لم يستطع أن يفهم كيف نزل اللّفظ على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن ألا يعلم أنّ السّفير ملك ؟ وأنّ المنزل عليه قلب النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ؟
واللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، فهذا المحيط الّذي فيه عمل الملائكة الأبرار مع قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وهو سيّد الأخيار يجب أن نقف عند ذلك ونؤمن بما قال القرآن .
فهذه بعض مظاهر العلم عندنا اليوم : الحديث بالرّادار ، وبالتّلفزيون ، لا يعرفه إلّا المتخصّصون الدّارسون وهو خاف على غيرهم . على أنّ العقل المجرّد لا يحيل هذا اللّون من تلقّي القلب للّفظ والمعنى .
وهناك آية أخرى ترفع عنّا هذا الحرج ، هي قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 2 » ، أي إنّ علينا جمعه في قلبك وقراءته على لسانك ، جمع القرآن في القلب ، والقرآن هو اللّفظ والمعنى ، ثمّ تقرأه بعد ذلك بلسانك على أنّ نفس الآية الّتي استدلّوا بها لا تشهد لهم ، فإنّ قوله تعالى :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
متعلّق ب ( نزل ) ، وقدّم عليها
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
للاهتمام بهذا التّعليم ، وإلّا لو جعلنا قوله
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
متعلّقا بقوله
الْمُنْذِرِينَ
لكان المعنى لتكون من المنذرين الّذين أنذروا
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
كهود وصالح
هامش
( 1 ) - الشّعراء / 193 - 195 .
( 2 ) - القيامة / 16 - 19 .