يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
« 1 »
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
« 2 »
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
« 3 »
فهذه الآيات الثّلاث تفيد كلّها أنّ القرآن وآياته شيء يقرأ ويسمع ويتلى ، ولا شكّ أنّ هذه أغراض الألفاظ لا المعاني ، فإنّ ما يسمع ويتلى ويقرأ إنّما هو اللّفظ لا المعنى وقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
« 4 »
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 5 » والكتاب الّذي يكتب هو اللّفظ ، والمقروء العربيّ هو اللّفظ . وقال تعالى :
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
« 6 » .
فدلّت هذه النّصوص كلّها على أنّ القرآن يتلى ويسمع ويكتب وهو بلسان عربيّ مبين ، ثمّ هذا كلّه إنّما يتلقّى
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ .
أظنّ بعد هذه النّصوص لا يمكن أن تقول : إنّ القرآن نزل من عند اللّه بالمعنى فقط ، وأمّا اللّفظ فمن جبريل أو من محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ومن العجيب أنّ الإمام الزّركشيّ حكى القولين الآخرين ، وبيّن أنّ الرّأي الأوّل قائل بأنّ التّنزيل نزل باللّفظ والمعنى ، وأنّه حفظه من اللّوح المحفوظ ، ونزل به أو هو تلقّاه مشافهة من اللّه أو تلقّاه كذلك من بيت العزّة ، وهو الرّاجح عندي كما قلنا . ولقد ذكر كذلك السّيوطيّ ، إلّا أنّه لم يرجّح ولم يبيّن أنّ الرّأيين الآخرين خطأ ، وإذا كان كذلك فما خطأهما ؟
بعد نقل الآيات السّابقة الدّالّة صراحة على أنّ القرآن نزل باللّفظ والمعنى لا يمكن أن نقول إلّا بالتّناقض بين هذا الرّأي وبين تلك النّصوص القرآنيّة . وإذا قلنا بما قالوا فكيف تتحقّق المعجزة وهي الأمر الخارق للعادة ، وكانت من أحسن صنع اللّه ؟ الآن وقفنا على
هامش
( 1 ) - الإسراء / 47 .
( 2 ) - الجاثية / 7 - 8 .
( 3 ) - البراءة / 6 .
( 4 ) - الكهف / 1 .
( 5 ) - يوسف / 2 .
( 6 ) - النّمل / 6 .