تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
عليها ، وستظلّ كذلك في أستار الغيب . ويعجبني قول أبي حيّان في تفسير قوله تعالى :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ :
اللّوح المحفوظ هو الّذي فيه جميع الأشياء . وقول الآلوسيّ في هذا الموضع : ونحن نؤمن به ، ولا يلزمنا البحث عن ماهيّته وكيفيّة كتابته ونحو ذلك وممّن ذهب مذهب التّأويل في ذلك بعض العلماء في تفسيره اللّوح المحفوظ بأنّه لوح الوجود والحقّ . ولكنّ الأولى عدم التّأويل ، وتفويض علم ذلك للّه . والظّاهر أنّ القرآن أثبت في اللّوح المحفوظ جملة واحدة ، ولم يكن مفرّقا حيث لا داعي إلى ذلك . تلك هي المرحلة الأولى ، ويلاحظ أنّه لم يستخدم فيها كلمة ( النّزول ) أصلا . المرحلة الثّانية : أو النّزول الثّاني « 1 » : من الحقّ أنّ ما ليس في دائرة علمنا ، وما لا يقع
هامش
( 1 ) - بحث نزول القرآن في اللّغة : من مفردات الرّاغب الأصبهانيّ . النّزول في الأصل هو انحطاط من علوّ ؛ يقال : نزل عن دابّته ، ونزل في المكان : حطّ رحله فيه ، وأنزله غيره ، ونزل بكذا ، وأنزله بمعنى . وعليهأَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَالكهف / 1 ،وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌالحديد / 25 ،وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَالحديد 25 ،وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍالزّمر / 6 ، والفرق بين الإنزال والتّنزيل بالنّسبة للقرآن أنّ التّنزيل يختصّ بالموضع الّذي يشير إليه إنزاله مفرّقا مرّة بعد أخرى ، والإنزال عامّ ، وعليه قوله تعالى :إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَالحجر / 9 ،وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًاالإسراء / 106 ،وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَالشّعراء / 198 . وحكى اللّه عن المنافقين :لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُمحمّد / 20 ، ذكر في الأولى نزّل وفي الثّانية أنزل ؛ تنبيها إلى أنّ المنافقين يقترحون أن ينزّل شيئا فشيئا من الحثّ على القتال ليتولّوه ، وإذا أمروا بذلك مرّة واحدة تحاشوا منه ، وعليه جاء قوله :إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍالدّخان / 3 ،إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِالقدر 1 ؛ لأنّه نزل جملة واحدة إلى سماء الدّنيا ، والنّزول بمعنى الهبوط من علوّ إلى أسفل ، والانتقال من مكان إلى مكان ، لا يتأتّيان في جانب القرآن ؛ لأنّهما يستلزمان الحركة والجسميّة ، والقرآن ليس كذلك ؛ إذ هو بالمعنى الشّرعيّ العامّ يطلق على الكلام المعجز المنزّل على النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو في عرف المتكلّمين يطلق على الصّفة القديمة ، باعتبار تعلّقها بالكلمات النّفسيّة القديمة من أوّل سورة الحمد إلى آخر سورة النّاس ، ويطلق على تلك الكلمات أيضا . وليس شيء من هذه المعاني يجسّم حتّى يهبط من أعلى إلى أسفل ، أو ينتقل من مكان ويحلّ في آخر ، لذلك كان وصف القرآن بالنّزول وصفا مجازيّا باعتبار المعاني : ( أ ) هو الصّفة القديمة باعتبار تعلّقها بالكلام النّفسيّ . ( ب ) هو الكلام النّفسيّ القديم . فالمراد بالإنزال إيجاد ما يدلّ عليه ، وإن أريد به الألفاظ المنزلة فإنزاله هو الإيصال والإعلام ، ونزوله وصوله والعلم به ، فإنّ من أنزل شيئا إلى مكان فقد أوصله إليه وأعلم به كلّ من يراه .