مكّة ، وهي الشّبهة الّتي حكاها القرآن عن قولهم :
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
ثمّ نفاها اللّه تعالى :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 1 » .
فإن يكن هذا من الكافرين تكذيبا صراحا لسماويّة القرآن ، فقريب منه وأشبه به ذلك التّشكيك الّذي لا يلوكه لسان يتحرّج من الخطأ والافتراء على اللّه وكتابه ورسوله .
شبهة رابعة
تعلّقت حكمة اللّه بالقرآن أن يكون بلسان عربيّ ، وأن تكون الدّعوة به للنّاس كافّة .
وقديما تحدّث فريق من المعاندين لدعوة الإسلام ، فقالوا : كيف تكون دعوة الإسلام عامّة ، وتكون لغة القرآن عربيّة فقط ، من أنّ في النّاس جماهير لا يعرفون لغته ، ولا يمكنهم أن يعرفوا دعوة الإسلام إلّا إذا كان القرآن بلغة أعجميّة ؟
واللّه تعالى يدحض هذه الشّبهة ، ويكشف لأولئك المعارضين ما يعلمه من خباياهم ، فيقول سبحانه :
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ
؟ يعني لو نزل القرآن بلغة أعجميّة لاعترض هؤلاء العرب المعترضون ، وقالوا : ليته نزل بآيات مفصّلة على لغتنا لنستطيع فهمه حقّا . فالضّلالة عالقة بهم ، سواء أكان القرآن بلغته العربيّة كما جاء مفصّلا أم كان بلغة أعجميّة أخرى ، كما يتعلّلون في إعراضهم عنه .
وهذا شأن يعلمه اللّه في خلقه المعاندين ، وإن لم يعلموه عن أنفسهم ، أو يعلمونه ويحاولون تجاهله والتّستّر بالمعاذير المكشوفة . فضلا عن أنّه لا يتأتّى في تنسيق الحكمة الإلهيّة ، ولا يكون مستساغا عقلا ، ولا ممكنا عادة ، أن يكون الرّسول عربيّا وكتابه بلغة أعجميّة غير لغته ولغة قومه المبعوث فيهم أوّلا .
ثمّ لو جاز في تقدير اللّه أن يكون القرآن أو بعضه أعجميّا لكانت لهم محاولة جدليّة أخرى وهي قولهم : ( أأعجميّ وعربيّ ) ، يعني أيكون القرآن أعجميّ اللّغة والرّسول المبعوث به عربيّا ؟
وهذا فضلا عن استحالته ، فإنّ مجرّد تصوّره ولو فرضا مخالف لسنن اللّه في رسالاته
هامش
( 1 ) - النّمل / 103 .