تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
والرّوعة في التّحدّي ؛ إذ لم يستغرق التّحدّي سورة مطوّلة من سوره ، ولم يكن في مقام فسيح من آياته ، بل تحدّاهم في أربعة مواضع موجزة ؛ الأوّل : في سورة الإسراء آية ( 88 ) :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً .
لم تكن هذه آخر آية نزلت من القرآن ، حتّى يكون التّحدّي بالقرآن كلّه ، فضلا عن كون السّورة مكّيّة ، والتّحدّي بها كان في عنفوان الخصومة من قريش في مكّة ، فيكون ظاهرا أنّ المراد من القرآن في هذا الأوان هو ما كان قد نزل وتسامعوا به لا كلّه . فإذا لوحظ أنّ هذا التّحدّي مقصود منه التّحدّي بشيء من جنس هذا القرآن الّذي ينزل ، وبهذا القدر المحدود الّذي نزل ، وأنّه كان موجّها إلى الإنس والجنّ متعاونين في تضامن مفروض ، تبيّن ما هنا من شموخ للقرآن ، واستهانة بخصومه ، وازدراء بقولهم . وتركهم أمام هذه السّخريّة الفاضحة لشأنهم . الثّاني : في سورة هود عليه السّلام آية ( 13 ) :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ
، تكون أشبه به في خصائصه الّتي تسمعونها ، وتدركونها بفطرتكم العربيّة . ولكم أن تستعينوا في محاولتكم بمن يتاح لكم جمعه من خلق اللّه جميعا . وهو لم يشترط عليهم سورا طوالا تشبه بالقرآن ، وحسبهم أن يأتوا بسور ولو من قصاره ؛ لتصدق دعواهم أنّه من عمل محمّد . وواضح أنّ التّحدّي هنا شديد ؛ لأنّه اقتصد في العدد إلى عشر سور فقط ، ولم يجعله متعلّقا بأكثر ، ولأنّه أفسح مجال الاستعانة بكلّ مخلوق من إنس وجنّ وسواهما ، وكان في الأوّل يتحدّى الإنس والجنّ فقط . الثّالث : في سورة يونس عليه السّلام آية ( 38 ) :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . .
وهذا أشدّ من سابقة ؛ لأنّه نزل في العدد إلى سورة واحدة ولو قصيرة ، ويترك لهم الفسحة في الاستعانة بمن يستطيعون كذلك من خلق اللّه جميعا ، ولو من غير الإنس والجنّ من عجماوات وجماد ، ممّن لم يتعلّق بهم تكليف إن فرض ذلك .