الحقّ . وكأنّ في يدها من العطاء ما يرضي أصحاب الشّهوات والأهواء على حساب القرآن .
ولكن يشاء ربّك أنّ كلّ بادرة من بوادر العداء للإسلام وكتابه ورسوله تكون في نهايتها وسيلة من وسائل الهزيمة على أصحابها ، وتكون في حقيقتها سلاحا في أيدي المؤمنين يهدمون به باطل المبطلين . وستظلّ راية الإسلام خفّاقة ، ورسالته محرجة لصدور أعدائها ، وسيدوم القرآن في سلطانه مزعجا لهم ، ولو كانوا أصحاب قوّة ماديّة .
وحكمة اللّه قائمة على أنّ الباطل يخدم الحقّ عن غير قصد ولا رغبة ، بل على النّقيض من رغبته وقصده ،
وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
« 1 » .
والقرآن بعد ذلك كلّه في غير حاجة إلى تنويهنا عنه ، أو الإشادة به ، فقد تكفّل اللّه بصيانته وغلبته ، وجعل قوته من ذاته وحقيقته ، لا من دفاعنا عنه - وإن كان الدّفاع فرضا - وسيبقى القرآن شاهدا لنفسه بأنّه كتاب اللّه الحقّ
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
« 2 » .
تهافت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم على نزول القرآن وعلى تلقّيه حين الوحي
1 - كان النّبيّ ( صلوات اللّه عليه وسلامه ) يتشوّق كثيرا إلى نزول القرآن في غير إمهال ؛ لما يشوّقه من الصّلة بربّه ، ومن تجلّيات فضله على عبده ، ولما يزداد به من علم وهداية ، حتّى أنّ الوحي بعد نزوله بسورة العلق تريّث في النّزول مدّة استطالها النّبيّ ، وخشي من طول انقطاعه ، خصوصا أنّ قريشا شمتت فيه ، وزعمت أنّ إله محمّد الّذي أوحى إليه قد هجره .
فكان لله تعالى توجيه لرسوله إزاء ما يخشاه من فترة الوحي ، وردّ على قريش في شماتتها ؛ إذ أنزل اللّه على عبده سورة الضّحى يقسم اللّه فيها لرسوله بأنّ ربّه ما ودعه ولا
هامش
( 1 ) - الصّف / 8 .
( 2 ) - فصّلت / 42 .