الرّابع : في سورة البقرة آية ( 23 ) :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .
وكان هذا الأخير في المدينة ، وفيه إيحاء بأنّ عجزهم دائم ، فإنّهم لم يستطيعوا ذلك أيّام صولتهم في مكّة ، فهل يطمعون في ذلك بعد أن وهنت قواهم ، وساورهم اليأس من مغالبة الدّعوة ، وقد أصبح لها في المدينة أنصار أقوياء وأوفياء بالعهد للّه ولرسوله ؟ ولئن كان في المدينة من يكذّب من أهل الكتاب والمنافقين ، فإنّ التّحدّي يواجههم كذلك ؛ إذ عجزت قريش صاحبة اللّسان العربيّ الّذي نزل به القرآن ، فهل يطمع في ذلك من دونهم لسانا وصلابة في العناد ؟
ثمّ إنّ الإيحاء بالعجز الدّائم يجيء صريحا في الآية ناعيا عليهم ما مضى ، ومؤيسا لهم ممّا يأتي ،
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
« 1 » ، أي لم تفعلوا من قبل ، ولن تستطيعوا أن تفعلوا بعد فمصيركم إلى خلود في النّار .
ويلاحظ أنّ التّحدّي أوّلا كان على لسان محمّد صلّى اللّه عليه وسلم :
قُلْ فَأْتُوا .
أمّا في البقرة فإنّه من جانب اللّه تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
، فانظر إلى التّعبير
مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
فهذا غاية التّأييد لمحمّد وكتابه ، وغاية التّحقير والإقناط لأولئك :
ولن يفعلوا ، وبهذا تمّت كلمة ربّك في التّحدّي ، وصدق اللّه وعده .
ولقد اشتمل القرآن كذلك في سياقه العام للتّحدّي على كلمات قصار لم يفهمها أهل اللّغة وفحولها ، وهي من صميم الحروف الّتي تدين لألسنتهم وبلاغتهم ، ولديك أوائل السّور
ألم
،
طسم ،
حم
وهكذا .
فلو كان القرآن من تعبير محمّد لكان فهم هذا المتشابه في مقدورهم ، ولكنّهم عجزوا عن مجرّد الفهم ، كما عجزوا عن الإتيان بشيء مثله . ومع هذا كلّه يطلع علينا - ومن بيننا - من يسفّه بأنّ القرآن من لفظ محمّد وتعبيره ، وهو إرجاف أشبه بقول الكافرين : إنّ القرآن كلّه من وضع محمّد ، أو يقول نفر منهم : إنّ محمّدا تعلّم القرآن من ذلك الصّانع اليهوديّ أو النّصرانيّ ، الّذي كان محمّد في صباه يقف أحيانا لدى مصنعة ؛ ليرى صناعته للسّلاح في
هامش
( 1 ) - البقرة / 24 .