الأولى ، ولما تقضي به الفطرة من تمام التّجانس بين الرّسول وقومه ؛ ليتوافر الألف ، وليكون الرّسول معروف المناقب فيهم أكثر ممّا لو كان غريبا عليهم . كما أنّ اللّه لم يجعل الملائكة رسلا إلى النّاس ؛ لعدم التّجانس بين الجانبين .
فالمسألة من جانبهم مسألة معارضة ، وما كانت معارضتهم مقطوعة لو نزل القرآن أعجميّا ، كما أعلمنا اللّه من شأنهم .
ثمّ ما هي اللّغة الأعجميّة الّتي كان يختارها اللّه للقرآن مفردة ، أو مع العربيّة ؟ اللّغات الأعجميّة لا حصر لها ، وهي متباينة في مفاهيمها وضوابطها ، فأيّة لغة تكون أولى من سواها مع الاضطراب بينها جميعا ؟
هذا تفنيد لما يدور ، وهو متوقّع من أباطيلهم ، أو من أباطيل غيرهم بعد ، فالقرآن عربيّ ، وحكمة اللّه لا تخضع لأمانيّ النّاس وتخيّلاتهم . وإنّما النّاس هم المأخوذون بالاقتناع ، والاطمئنان إلى الحقّ إن أرادوا بأنفسهم خيرا
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
« 1 » .
وعروبة القرآن في لفظه لا تمنع من بلوغ دعوته بأيّ لسان آخر ، كما عاش النّاس على التّفاهم بالوسائط الأخرى في تجارتهم وتجاورهم ، وفي شؤونهم الاجتماعيّة عامّة .
ولغة العرب ليست شرطا للدّخول في الإسلام ، وقد دخلته أمم غير عربيّة دون أن تعوقها لغة ، وبقيت وستبقى لغة الكتاب واحدة ؛ ليجمع النّاس تحت رايته في عقيدة واحدة ، ولتكون وحدة اللّغة هاتفة بالمسلمين أن يتكتّلوا حول القرآن الّذي هو إمامهم جميعا ، ومنبع حياتهم وعبادتهم دون تعريضه لهزات عنصريّة . وسنعرض لهذا التّوجيه عند الكلام على التّرجمة أخيرا .
وفي الحقّ ، أنّ هذه الشّبهات كان يتّخذها الحانقون على الإسلام معاول في هدمه أو الخدش من بنيانه الشّامخ الّذي يتصاعد يوما فيوما . وما ندري سببا جدّيّا يحمل نفرا من المعاصرين المنتمين لهذا الدّين في عداد أهله ، على إثارة هذه الشّبهات باسم البحث العلميّ . وما هي - في اعتبارنا - إلّا محاولات يتقرّبون بها إلى جهات معادية لدين اللّه
هامش
( 1 ) - المؤمنون / 71 .