شبهة ثالثة
زعم قائلون : أنّ القرآن نزل بمعناه لا بلفظه ، وأنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام عبّر عن المعنى بلفظ من عنده .
وكلّ ما قامت عليه تلك الشّبهة العمياء جملة واحدة نزلت في القرآن تفيد نزول جبريل بالقرآن على قلب محمّد صلوات اللّه عليه وسلامه آية 193 - 195 الشّعراء « 1 » .
فهم يقولون : إنّ النّزول على القلب لا يعدو أن يكون وحيا بالمعنى لا باللّفظ ، مع أنّ الآية نفسها تصرّح بأنّ النّزول كان بلسان عربيّ مبين ، فعجيب أن يتلمّسوا الشّبهة في جملة محتملة لا نصّا ، ثمّ يتعاموا عن بقيّة الآية ، وعن عشرات من الآيات الأخرى الصّريحة في التّنصيص القطعيّ على أنّه قرآن عربيّ بلسان عربيّ . الخ .
فهل اللّسان معنى نزل به الوحي على القلب ؟ أو هل اللّغة الّتي تجري على جارحة اللّسان في منطقه ؟
كثرت الآيات النّاطقة بعربيّة القرآن في أسلوبه المنزل به حتّى بلغت عشر آيات أو أكثر ، وأكثر ما ترى هذا الوصف في فواتح السّور .
ولعلّ حكمة الإكثار منه في الفواتح تنبيه القارئ والسّامع والنّاس جميعا عند البدء في تلاوة السّورة على نزول القرآن بلفظه المعجز ، كما تلاه عليهم الرّسول وبلّغه ، وتواتر عنه تواترا لم يدع أثارة للاشتباه في ذلك . وممّا يعزّز هذا الفهم أنّ تلك الفواتح مقرونة بذكر الكتاب ، أو القرآن غالبا للإشادة به .
ولولا وضوحها وكثرتها في أوائل السّور وفي ثنايا القرآن ، لذكرنا شيئا منها للاستشهاد به ، ولكن هذا شأن بلغ من الوضوح واليقين مبلغ ما تراه العين وتلمسه اليد .
أمّا نزول القرآن على قلب محمّد فمعناه تمكينه من وعيه ومن تعقّله ، والتّثبّت عليه لا مجرّد إخبار به ، ثمّ تركه للنّسيان ، كما هو الشّأن غالبا في أحوال الإنسان .
وفي القرآن نفسه ما يقرّر هذا التّوجيه في سورة الفرقان رقم ( 25 ) آية ( 32 ) ثمّ في
هامش
( 1 ) -نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ .