شؤون الرّسالة ، وحفظ النّاس ما رووه منثورا بينهم ، وجاء عهد الجمع والتّدوين الواسع للسّنّة النّبويّة في آخر القرن الأوّل الهجريّ ، لم يكن من الصّحابة إلّا الرّواية للأحاديث على ما ثبت لديهم ، ولم يتردّدوا في الأخذ بها مطمئنّين إلى صحيحها ، وفاهمين لتوجيهها ، والتّوفيق بين ما يبدو من ظاهرها متعارضا . ففهم البعض فيما بعد أنّ نزول القرآن كان مناما .
ومن البعيد في نظر العقل أن يكون المنام مع التّصديق به وتحقّقه واعتباره وحيا صادقا ، مصدر نزول القرآن الّذي قصد به أن يكون دستور الحياة إلى نهايتها ، وقصد به أن تكون تلاوته عبادة مشروعة ، وأن يكون التّدبّر فيه كذلك عبادة ، وقصد به مع هذا كلّه تحدّي خصومه ، أن يأتوا بسورة مثله .
بعيد في نظر العقل ، أن يكون المنام مصدرا لكلام أخّاذ يتأثّر به غلاظ القلوب ، بل يتأثّر به الجنّ ويؤمنون ، ويعلنون لقومهم إعجابهم بما سمعوا منه ، ويدعونهم إلى التّصديق به مطمئنّين إلى أنّه كلام اللّه ولا جرم .
وفي ذلك آيات كثيرة لم تعلق بواحدة منها شبهة . آية 29 - 32 سورة الأحقاف ، وآية 1 - 2 سورة الجنّ .
وعجيب هذا ؛ لأنّنا لم نسمع عن رسول سابق أنّه تلقّى رسالته مناما ، وكثيرا ما يصرّح القرآن بأنّ سنّة اللّه في إرسال رسله واحدة ، ولكنّ النّاس في شبهاتهم يجادلون في الأمر العياني المشاهد ، وإذا كانوا يجحدون المعجزة المشاهدة لهم ، فهل كان يقنعهم المنام مهما كان أكيدا ؟ .
وما كانت حكمة اللّه تأذن ببعث رسله مناما ؛ ليفتح بها باب المنازعة والشّبهة على أنبيائه المبعوثين ليقرعوا الباطل بالحقّ الصّراح ؟ لم يبق غير أنّها شبهة واهية ، نشأت من أساليب الرّواية للأحاديث ، وعدم تمحيصها بعقول المجادلين .
ثمّ هي لا تستحقّ أن تكون رأيا نركن إليه ، أو نقيم له أيّ اعتبار .
على أنّ الله سبحانه أعفانا من نقاشها بما بيّنه في آيات كثيرة من إنزاله في ليلة كذا وفي شهر كذا على نحو ما سلف .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 432
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٤٣٢