وكذلك روعيت خصائص أهل الكتاب في المراوغة والتّفلّت من الحقّ على نحو ما نراهم إلى اليوم ، فنزلت كتبهم جملة واحدة ؛ لاستواء الوجهين في شأنهم الدّينيّ ، ولئن كان من عيوب العرب تقليد الكثير منهم لما كان عليه آباؤهم ، فأهل الكتاب أشدّ منهم تقليدا وتشبّثا حتّى مع العلم بالحقّ ، وحاضرهم يشهد عليهم بذلك مع ما بلغوا من حضارة .
ثمّ تنعكس الشّبهة منهم ، فيتمدّحون بأنّ كتبهم نزلت جملة ، وهذا عندهم أمارة على صدقها من عند اللّه ، ولو كان القرآن حقّا مثلها لما تغيّرت صفة تنزيله عن إنزال كتبهم جملة واحدة ، هذا زعمهم ! .
ومع ما سبق لنا في تعليل ذلك التّفريق ، نرى أنّ القرآن نفسه يبيّن الحكمة المعقولة ، ويحتاج تلك الشّبهة الهزيلة منهم في سورة الإسراء رقم ( 17 ) آية ( 106 ) ، وفي سورة الفرقان ( 25 ) آية ( 32 ) « 1 » .
ففي المقامين تصريح بالقصد من التّفريق ، وتلويح واضح بأنّه كتاب خالد يراد به التّمهّل ، والمكث في تبليغه ، وتلاوته على النّاس ، ويراد تثبيت قلب النّبيّ وتمكينه من وعيه ، والإحاطة بما فيه ، وكذا بالنّسبة لأمّته .
وإلى جانب هذين المقصدين تصريح بأنّ كلّ شبهة يعرضونها ، وكلّ مثل يضربونه لتعزيز الشّبهة - كمسألة التّنزيل - فاللّه تعالى كفيل في ذلك كلّه ببيان الحقّ ، وتفسير الحكمة وتعزيز القرآن بما يحبط شبهاتهم ، فلو كانت وجهتهم إلى الحقّ في ذاته لآمنوا بكتاب لا تعلق به شبهة إلّا بطلت ، وهو لا يناقض كتبهم فيما عرفوا عنها من أصول أخلاقيّة أو اعتقاديّة صحيحة لم تشبها الأراجيف ، ولا مسّتها نزعة الابتداع ، ولا دعاهم لغير اللّه ، ولا جردهم من العقليّة وحقّ المناقشة ، ولا رضي لأتباعه الاستسلام للتّقليد .
كما وافق كتبهم في بعض آياتها ، وفي كثير من أحكامها البريئة عن التّحوير ، كما شهد كثير من علمائهم ، وهو كتاب أنصفهم ، فاعترف بموافقته لتلك الكتب في شيء من
هامش
( 1 ) -وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا، -وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً .