آياتها ، آية ( 18 ) و ( 19 ) من سورة الأعلى ( 87 ) « 1 » ، فلو كان الحقّ رائدهم لما أطالوا في اللّجاج على أنفسهم .
شبهة ثانية
ونعرض شبهة علميّة - لا اعتقاديّة - لبعض الكتّاب ؛ إذ يقولون : إنّ القرآن نزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في أوّل الأمر مناما لا يقظة .
ومنشأ هذه الشّبهة ، أنّ بعض الأحاديث جاءت صريحة في نزول القرآن عليه مناما ، فانقدح في أذهانهم أنّ سورة العلق - وهي أوّل ما نزل - كانت مناما لا يقظة .
والتّحقيق العلميّ في ذلك أنّ بدء الوحي عامّة كان من طريق المنام قبل نزول القرآن بعدّة أشهر سابقة على رمضان الّذي نزل فيه القرآن علانية .
فما كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يرى مناما إلّا تحقّق على وفق ما رآه ، وليس هذا كثيرا على من شاء اللّه إعداده لرسالته الخاتمة ، ونشأ نشأة محمّد خاصّة ، فضلا عن أنّها سنّة اللّه مع أنبيائه ، فإنّ رؤياهم وحي ، كما حدث لإبراهيم في ذبح ولده إسماعيل عليهما السّلام ، ثمّ قام بالتّنفيذ وهمّ به ، لولا أنّ اللّه تعالى فدى إسماعيل بذبح من الضّأن ، وحقّق حكمته في اختبار إبراهيم .
فلمّا قرب نزول القرآن كانت للنّبيّ تباشير تصادفه ، وهو لا يدري ما وراءها ، كالمناداة عليه وهو سائر في طريقة ، ثمّ لا يرى أحدا ، كما تحدّث بذلك التّاريخ ، وكاعتزاله النّاس على غير ما عهد بينهم ، وكاندفاعه في لهفة إلى إطالة الخلوة بعيدا عن النّاس ممعنا في تفكيره في هذا الملكوت الرّبانيّ الواسع .
وكان من هذه التّباشير أن رأى الرّؤيا المنامية بما نزل عليه بعد من سورة العلق ، وذلك من رفق اللّه به ؛ ليدرّبه على استقبال رسالته ولقاء جبريل بها ، ثمّ نزل عليه الوحي عيانا في ليلة القدر تحقيقا لما مرّ به من رؤيا منامية .
فلمّا نزل القرآن الكريم ، وورث النّاس عن النّبيّ أحاديثه في هذا وفي كلّ شأن من
هامش
( 1 ) -إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى .