حسن اختيارهم لأنفسهم واستجابوا ؟
لهذه المقاصد السّالفة كان نزول القرآن مفرّقا من تمام الحكمة فيه ، ومن مباهج ميزاته ومحاسنه ، ومن مجاراة الطّبائع في التّريّث عند الإقدام على شيء جديد لم يألفوه من قبل .
شبهة أولى
هذا وربّ سائل تخالجه شبهات يقول :
إذا كان التّدرّج في نزول الكتاب مقسطا رحمة بالنّاس ، وتسهيلا عليهم ، فلما ذا كانت الكتب السّالفة كالتّوراة والإنجيل تنزل دفعة واحدة ، ولم تكن تفريقا ؟ ويجاب عن هذا بما ننقله عن بعض العلماء ، وبما نستنتجه نحن من جوّ الموضوع .
فأوّلا - كانت تلك الأمم الكتابية على شيء من تعلّم ، فيكون استعدادهم للمعرفة أرجح ممّا كان عليه العرب حين واجههم القرآن قبل سواهم . فحاجة هؤلاء العرب إلى التّدرّج أوضح ، وأنت تعلم أنّ أهل الكتاب يقرّرون ذلك ، ويعيّرون العرب بأنّهم أمّيّون وليسوا على علم .
وثانيا - تلك أمم يعلم اللّه من أمرها مع صلتها بالعلم وبالرّسالات من قبل أنّها سوف لا تقلع أكثريّتها عمّا ألفت ، وسوف يكون شأنها إزاء كتبها مذبذبا ، وستمدّ يدها إلى كتبها بتصرّفات من عندها ؛ ليطابق أهواءهم . ولن يتغيّر حالهم عن ذلك بتنزيل الكتاب عليهم مفرّقا ، أو جملة واحدة .
فكأنّهم في تقدير اللّه - سبحانه - وفي قصارى أمرهم سيظلّون جامحين ، لا يحتكمون إلى عقل ولا موازنة ، وإنّما يصطنعون محاولات زائفة ؛ ليبرّروا دائما ما هم عليه .
فخصائص الشّعوب لها اعتبار في رعاية التّشريع ، وقد روعيت في تفريق القرآن خصائص العرب الّتي يمتازون بها في الجملة ، والّتي يشاركهم في بعضها سواهم ، من ملائمة التّريّث ، والإمهال ، لإقناعهم بالقرآن ، وليدخلوا في حوزته على بصيرة وتعقّل ، كما يدعوهم القرآن نفسه .