تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
تنزيله إلى الدّنيا مفرّقا طول عهد الرّسالة في ثلاث وعشرين سنة . ومع أنّ التّوراة أنزلت دفعة واحدة في ألواح مكتوبة ، وأنّ الإنجيل أنزل كذلك دفعة واحدة من طريق الوحي على عيسى عليه السّلام فقد شاء اللّه أن يجمع للقرآن بين صفتي الإنزال جملة واحدة إلى سماء الدّنيا ، والتّنزيل مفرّقا على رسوله صلّى اللّه عليه وآله . وحكمة التّفريق في تنزيله مقسطا تتّضح من وجوه : 1 - أن يتمشّى - غالبا - مع المناسبات الدّاعية إلى التّنزيل ، كحادثة تحتاج إلى بيان الحكم الشّرعيّ فيها ، أو سؤال يتقدّم به بعض النّاس إلى الرّسول عن أمر ما ، فيكون التّنزيل عند المقتضي أوقع في النّفس . 2 - أن يكون تفصيله في نجومه أخفّ على الأفهام في وعيه وحفظه ، واللّه سبحانه يريد للقرآن أن يكون ميسّرا على عباده من جهة التّنزيل ومن جهة الوعي ، والإلمام لقوم أمّيّين . 3 - أن يكون تقسيطه وسيلة رتيبة ، في تربية بيئة تحتاج إلى تدرّج في العلاج ، كما يحتاج المريض إلى الدّواء شيئا فشيئا فإنّ العلّة لا تستأصل دفعة واحدة ، وأنّ العافية لا تعاود البدن مرّة واحدة ، فيكون التّدرّج مسايرا للفطرة . 4 - وأن يكون التّقسيط سبيلا إلى التّدرّج في تشريع الأحكام شيئا فشيئا ، وإذا كانت نفوس العرب طليقة في دنياها ، وسائبة في جهالتها ، يكون التّدرّج معهم في التّشريع أجدى عليهم من التّكليف جملة واحدة ، وهذا ما نحسّه نحن في أساليب تربيتنا . على أنّ في تقسيط القرآن نجوما متفرّقة فرصة تتيح للنّاس يومذاك أن يتفقّدوا ما في الآيات من مقاصد ، وأن يأخذوا بها عن فهم وموازنة ، وخاصّة العرب . فهم من بداوتهم أمّة منطق وحجاج بلاغيّ ، والتّريّث في التّنزيل يساعد الجميع على النّقاش ، وعرض الشّبه وسماع البيان ، ويحبّب إلى العقلاء أخذهم بهذا الدّين البيّن عن اختيار منهم ، وعن إيمان به يقتضيهم الغيرة عليه والدّفاع عنه . والعربيّ معروف بالوفاء بعهده ، وبالتّضحية في سبيل ما يلتزمه ، فكيف إذا كان دينا ؟ وكيف إذا كان هذا الدّين يراد للخلود والاستقرار ، وجمع النّاس تحت رايته إن