تكرّر ثلاث مرّات
وهل يكون تكرار الأمر من جبريل ، وتكرار الاعتذار من محمّد ممّا يحصل اعتباطا وصدفة ؟
أمّا الاعتذار فكان طبيعيّا ؛ لأنّه الاعتذار بالأمر الواقع ، وجبريل يعرف - لا محالة - إنّ محمّدا أمّي ، وأنّه يكرّر عليه الأمر عالما بعجزه القراءة .
ثمّ هو في أمره أوّلا وثانيا وثالثا لم يعيّن له ما يقرأه ، كما عيّنه في الرّابعة أخيرا ، وتلا أمامه . الّذي أفهمه من ذلك التّكرار حكمة ، إذا فهمت على وجهها لا يقال : إنّ ذلك كان تكليفا بما لا يطاق ، ولا يقال : كيف تطلب القراءة ممّن لا يقرأ ؟ ولا يقال : كيف قرأ من لم يتعلّم ؟ .
تلك الحكمة : 1 - ليركز - منذ البداية - في وعي محمّد أنّ هذه رسالة حتميّة ، لا مفرّ عن تحمّلها .
2 - وليزيد في وعيه أن ينتبه لتلقّيها ، ويفتح قلبه لها ، ويطمئنّ إلى اختياره لتبليغها ، وأهليّته للقيام عليها .
وإنّ شأنا خطيرا كشأن الرّسالة ليحتاج عقلا إلى المزيد في التّنبيه عليه ، وعلى التّفرّغ له ، وليكون المختار للرّسالة على بيّنة ممّا عهد اللّه إليه ، وعلى يقظة دائمة نحو صلته الخاصّة باللّه ، إلى أن ينتهي من تبليغ رسالته ، ويقضي اللّه أمرا كان مفعولا . فيكون التّهيّب من جانب الرّسول طبيعة إنسانيّة .
ويكون تكرار الأمر من جبريل وسيلة للمزيد في التّنبيه ، والحرص على شأن قدسيّ جدير بذلك . على أنّ رهبة محمّد لنزول الوحي في فرصته الأولى ، لم تزايله بانصراف الوحي عنه الآن .
بل يرجع إلى زوجته خديجة مأخوذا بتلك المشاعر الّتي تغمره ، ويقصّ عليها ما لقيه في عزلته ، ويتدثّر في فراشه ، ويأخذ مضجعه ليستقرّ من روعه .
ثمّ كان بعد ذلك ما كان من شؤون متتابعة ، تسير في أفقها المرسوم ، إلى أن انتهى
نصوص في علوم القرآن — صفحة 426
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٤٢٦