تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وقدره . وقد شاءت حكمة اللّه أن تفصح عن هذا كلّه في ليلة من ليالي رمضان في السّنة الأربعين من عمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وهي ليلة القدر ؛ إذ نزل عليه جبريل ملك الوحي لأوّل مرّة في اليقظة ، يخاطبه بما أمره اللّه :
اقْرَأْ .
وكيف يقرأ إنسان أمّيّ لا يقرأ ، ولم يتعلّم القراءة ؟ هذا تكليف مهيب ، يقابل بالاعتذار من جانب محمّد : « ما أنا بقارئ » ، يتكرّر الأمر ، ويتكرّر الاعتذار ثلاث مرّات ، كما أثبت ذلك السّنّة الصّحيحة فيما تحدّث به الرّسول بعد ، وأخيرا يقرأ جبريل أمامه ، ويقرأ هو بعده :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
« 1 » . وكيف تكون الرّوعة لهذه المفاجأة ! أوّل إشراقة حيّة من إشراقات الوحي في حياتنا الجديدة ، وعلى غير ألف بمثلها ، إلّا ما كان من أحلام صادقة يراها محمّد في منامه ، وتتحقّق يقظة كما رآها ، فيكون فيها بعض الاستئناس ، بأنّ للّه توجيها خاصّا يعلم اللّه مداه وسيكون . أوّل إشراقة يتلقّاها فتأخذ مأخذها من نفسه رهبة وإجلالا ، ويهتزّ لها وجدانه خشية وإيمانا ، وتبتهج لها روحه تعلّقا بما أوحي إليه . وتستأثر بمشاعره تقديرا لما يناط به ، وتتهيّأ عزيمته لحمل ما يلقى عليه . وفي هذه الإشراقة الأولى توجيه إلى أنّ رسالة محمّد - منذ بدايتها وفي أخصّ ملامحها - رسالة العلم والتّعليم في الجانب الرّوحيّ ، ورسالة البحث في جوانب الحياة كلّها . وتوجيه كذلك إلى أنّ الحياة الجديدة حياة العقل والمعرفة والاهتداء ، أكثر من أن تكون حياة الملذّات والمتعة بالشّهوات . أو هي حياة الوعي ، وحسن الاختيار . أو هي في خلاصتها حياة الإسلام وكفى .

حكمة التّكرار للأمر والاعتذار

أثبتت لنا السّنّة الصّحيحة الّتي تحدّث بها الرّسول لأمّته ، أنّ الأمر بالقراءة ، والاعتذار
هامش
( 1 ) - العلق / 1 - 3 .