الفصل الخامس والخمسون نصّ السّبكي في « رياض القرآن »
تنزيله
كان محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله يجنح في بعض أحيانه إلى الخلوة بنفسه بعيدا عن النّاس ، بل بعيدا عن الأماكن الآهلة .
وكانت خلوته هذه تكثر في رمضان ، وفي غار برأس جبل حراء على بعد من مكّة ؛ إذ كان رمضان شهرا يعظّمه العرب قديما ، ويكثرون فيه من المكارم المحمودة ، نظرا لما كان لهذا الشّهر من خصوصيّة في الشّرائع الأولى ، فطاب لمحمّد أن يكثر من الخلوة الّتي يتجرّد فيها للتّفكير والاهتداء بعقله ، إلى ما يستطيع الاطمئنان إليه من مظاهر الوجود فيستأذن زوجته خديجة ويأخذ زاده ، ويمكث هناك اللّيالي والأيّام ؛ يفكّر في عجائب هذا الكون ، وفي قدرة خالقه ، ويلتمس بعقله ما يهتدي إليه من حكم اللّه ، ويهيم بما وراء هذا الإبداع من معالم الحقيقة المكنونة ، ومن أسرار في ملكوت اللّه الّتي لا يحيط بها غير اللّه .
وكان هذا الاتّجاه نفسه تجاوبا مع ما تكنّه الأقدار من سرّ يتعلّق بمحمّد بالذّات ، وهو لا يدري في دخيلة نفسه أنّ وراء هذا الاتّجاه ما وراءه من تدبير اللّه .
وإنّما هي أحداث تتوارد ، وتجري لمستقرّها ، ثمّ تلتقي في حينها على ما شاء اللّه