الشّيعة بتأخّر تأليفها عن وقوع الواقعة عدم الاعتماد على شيء من جوامع الحديث مطلقا ؛ إذ لا شيء من كتب الحديث ممّا ألّفته العامّة أو الخاصّة إلّا وتأليفه متأخّر عن عصر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قرنين فصاعدا ، فهذا في السّنّة ، والتّاريخ - على خلوّه من هذه التّفاصيل - حاله أسوأ والدّس الّذي رمي به الحديث متطرّق إليه أيضا .
وأمّا الكتاب فقصور دلالته على ما ذكره أوضح وأجلى ، بل دلالته على خلاف ما ذكره وتكذيب ما تقوّله ظاهرة ، فإنّ سورة
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
- وهي أوّل سورة نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله على ما ذكره أهل النّقل ، ويشهد به الآيات الخمس الّتي في صدرها ، ولم يذكر أحد أنّها نزلت قطعات ، ولا أقلّ من احتمال نزولها دفعة - مشتملة على أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يصلّي بمرأى من القوم ، وأنّه كان منهم من ينهاه عن الصّلاة ، ويذكر أمره في نادي القوم ولا ندري كيف كانت هذه الصّلاة الّتي كان صلّى اللّه عليه وآله يتقرّب بها إلى ربّه في بادئ أمره ، إلّا ما تشتمل عليه هذه السّورة من أمر السّجدة ؛ قال تعالى فيها :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى * أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى * أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ
« 1 » .
فالآيات كما ترى ظاهرة في أنّه كان هناك من ينهى مصلّيا عن الصّلاة ، ويذكر أمره في النّادي ، ولا ينتهي عن فعاله ، وقد كان هذا المصلّي هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، بدليل قوله تعالى بعد ذلك :
كَلَّا لا تُطِعْهُ .
فقد دلّت السّورة على أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان يصلّي قبل نزول أوّل سورة من القرآن ، وقد كان على الهدى ، وربّما أمر بالتّقوى ، وهذا هو النّبوّة ، ولم يسمّ أمره ذلك إنذارا ، فكان صلّى اللّه عليه وآله نبيّا ، وكان يصلّي ولمّا ينزل عليه قرآن ، ولا نزلت بعد عليه سورة الحمد ، ولمّا يؤمر بالتّبليغ .
وأمّا سورة الحمد فإنّها نزلت بعد ذلك بزمان ، ولو كان نزولها عقيب نزول سورة العلق بلا فصل عن خطور في قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، كما ذكره هذا الباحث لكان حقّ الكلام أن
هامش
( 1 ) - العلق / 9 - 18 .