تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧

الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

هود / 1 . المقابلة بين الإحكام والتّفصيل الّذي هو إيجاد الفصل بين أجزاء الشّيء المتّصل بعضها ببعض ، والتّفرقة بين الأمور المندمجة كلّ منها في آخر تدلّ على أنّ المراد بالإحكام ربط بعض الشّيء ببعضه الآخر ، وإرجاع طرف منه إلى طرف آخر ؛ بحيث يعود الجميع شيئا واحدا بسيطا غير ذي أجزاء وأبعاض . ومن المعلوم أنّ الكتاب إذا اتّصف بالإحكام والتّفصيل بهذا المعنى الّذي مرّ فإنّما يتّصف بهما من جهة ما يشتمل عليه من المعنى والمضمون ، لا من جهة ألفاظه أو غير ذلك ، وأنّ حال المعاني في الإحكام والتّفصيل والاتّحاد والاختلاف غير حال الأعيان ، فالمعاني المتكثّرة إذا رجعت إلى معنى واحد كان هذا الواحد هو الأصل المحفوظ في الجميع ، وهو بعينه على إجماله هذه التّفاصيل ، وهي بعينها على تفاصيلها ذاك الإجمال ، وهذا كلّه ظاهر لا ريب فيه . وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمة أوّلا ، ثمّ مفصّلة ثانيا ، معناه أنّ الآيات الكريمة القرآنيّة على اختلاف مضامينها وتشتّت مقاصدها وأغراضها ترجع إلى معنى واحد بسيط ، وغرض فارد أصليّ لا تكثّر فيه ولا تشتّت ، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة مقصدا من المقاصد ، ولا ترمي إلى هدف إلّا والغرض الأصليّ هو الرّوح السّاري في جثمانه والحقيقة المطلوبة منه . فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتّت آياته وتفرّق أبعاضه إلّا غرض واحد متوحّد ، إذا فصّل كان في مورد أصلا دينيّا ، وفي آخر أمرا خلقيّا ، وفي ثالث حكما شرعيّا ، وهكذا كلّما تنزّل من الأصول إلى فروعها ، ومن الفروع إلى فروع الفروع لم يخرج من معناه الواحد المحفوظ ، ولا يخطئ غرضه ، فهذا الأصل الواحد بتركّبه يصير كلّ واحد واحد من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق والأعمال ، وهي بتحليلها وإرجاعها إلى الرّوح السّاري فيها الحاكم على أجسادها تعود إلى ذاك الأصل الواحد . فتوحيده تعالى بما يليق بساحة عزّه وكبريائه مثلا في مقام الاعتقاد هو إثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وفي مقام الأخلاق هو التّخلّق بالأخلاق الكريمة من